فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 231

مُسَالِمِين لربِّهم في عقائدِهم لربِّهم وأعمالِهم، لم يستطعِ الشيطانُ أن يُفسِد قلوبَهم بسوءِ الظنِّ بربِّهم، ولم يتمكَّن أن يُلقِي في قلوبِهم العداوةَ والغلَّ للهِ وكتبِه ورسلِه وأسمائه وصفاتِه وحقوقه في الطاعةِ والعبادةِ، كما استطاع أن يستولِي على قلوبِ أوليائه وحزبِه؛ فيَقذِف فيها - بكفرِهم بربِّهم وآياتِه - الغلَّ والعداوةَ للهِ وكتبِه ورسلِه، فأَعرَضُوا عن العلمِ الحقِّ المصفَّى، الذي جاء به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هدًى ورحمةً إلى كتبٍ وأهواءٍ وآراءٍ كلُّها من وحي الشيطانِ وضلالِه وإضلالِه، خَرَجوا على الله أعداءً يُبَارِزُونه الحربَ، فيحرِّفون قولَه الحقَّ عن موضعِه، ويُجَادِلون بالباطلِ في آيات الله وأسمائه وصفاته وحقوقِه؛ ليُدْحِضُوا به الحقَّ المُبِين الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفِه، فَرِحينَ بما عندهم من العلمِ قد اتَّخذوا آياتِ الله ورسلَه هزوًا.

وقد جَعَل الله على قلوبِهم - عقوبةً لهم لَمَّا زَاغَت بالتقليدِ الأعمى والفرحِ به - أَكِنَّةً أن يَفقَهُوا كلامَه، وفي آذانِهم وقرًّا أن يَسمَعُوا دعاءه، وأصبح القرآنُ عليهم - ونعوذُ باللهِ - عمًى؛ لأنه يُنَادِيهم من علياءِ حقِّه وهدايتِه، وهم مُرتَكِسُون بالتقليدِ في مكانٍ سحيقٍ بعيدٍ، فأنَّى يَسمَعُون دعاءه، وهم في شكٍّ منه مريبٍ؛ لأنهم لا ينظرون إليه إلا بعينِ السخريةِ والاستهزاءِ، وأنه لا مكانَ له ولا عملَ إلا للحجبِ والتمائمِ والتبركِ بحروفِه وورقِه، وللموتى يُقْرَأُ على قبورِهم وفي مآتِمِهم؟

أنَّى يسمعون دعاءه، وقلوبُهم جيفٌ مُنْتِنَةٌ، في صدورٍ حُشِيت بأقذرِ القذرِ من الجهل والحقد والحسد والغلِّ على اللهِ وعلى كتبه ورسلِه، وأوليائه المؤمنين الذين هجروهم وهَجَروا عقائدَهم الوثنيةَ، ومجالسَهم المظلمةَ بما شَغَلهم فيها شيطانُهم من اللهوِ والفسوقِ وفتنةِ الدنيا، والتكالبِ على عَرَضِها الزائلِ ومتاعِها القليل؟

قد كَفَر المؤمنون بكلِّ تلك الطواغيتِ التي مَلَكت على جمهورِ الناسِ قلوبَهم وحياتَهم، ورَجَعوا إلى أنفسِهم يُحَاسِبُونَها على ما تلقَّت به نِعَمَ اللهِ وآياتِه، فهداهم اللهُ - بهذا الإيمانِ بإنسانيتِهم ونعمةِ اللهِ في سمعِهم وبصرِهم وعقولِهم - إلى الطيبِ من التفكُّر في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ، وما خلق الله من شيء، وإلى الطيبِ من العقيدةِ الخالصةِ من جنسِ الشركِ والوثنيةِ، فأَخلَصُوا للهِ دينَهم كلَّه؛ دعاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستغاثةً، ورغبةً، ورهبةً،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت