وتقديسًا، وإجلالًا، وتعظيمًا، وهداهم إلى الطيبِ من العملِ، فلا يتقدَّمون ولا يَسِيرون إلى اللهِ خطوةً إلا على فقهٍ وعلمٍ وبصيرةٍ ونورٍ من ربِّهم وكتابِه ورسولِه - صلى الله عليه وسلم - فهم بذلك مصاحِبون لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الذي عَرَفوا رسالتَه وسِيرتَه وهَدْيَه حقَّ المعرفةِ، هم معه في مدخلِهم ومَخْرَجِهم، وليلِهم ونهارِهم، وهم معه متشرِّفون بمرافقتِه، لم تَستَطِع أن تُبَاعِد بينهم وبينه الأيامُ والسُّنون؛ لأن رسالتَه وهَدْيَه وسِيرتَه حيَّةٌ لم تَمُتْ، ولن تموتَ، مشرقة بأنوارِ الدينِ والهُدَى أشدَّ من إشراقِ الشمسِ في رابعةِ النهارِ، فكما أن الشمسَ لا تزال تَسْطَعُ بنورِها، لا يُعرِضُ عنها ويَستَغنِي بما اصطنع الإنسانُ من أنوارٍ إلا الغبيُّ الكافر بسننِ الله ونعمِه، كذلك رسالة خاتمِ المرسَلين - صلى الله عليه وسلم - لا تزالُ أنورُاها تَسْطَعُ بالقوَّةِ وحياةِ القلوبِ بالعلمِ والإيمانِ والطَّيبِ من العقائدِ، والأعمالِ، والأخلاقِ، والنُّظمِ، وجميعِ ضروبِ الإصلاحِ الاجتماعي، لا يُعرِض عنها ويَستَغنِي - بحُثَالاتِ الأفكارِ وزبالاتِ العقولِ السخيفةِ السفيهة - إلا أبلدُ الناسِ وأغباهم وأشدُّهم كفرًا باللهِ وسننه وآياته، وأشدُّهم استهزاءً وسخريةً بالقرآنِ والرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ثم لا ينفعُه كلُّ ما يَخْدَعُه به شياطينُ الإنسِ والجنِّ من زخرفِ القول وغروره: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88] .
أخَذ المؤمنون صراطَهم إلى اللهِ مستقيمًا مع هذا الرسولِ الأكرمِ - صلى الله عليه وسلم - فأَنْعِمْ بها من رفقةٍ، وأكرِمْ بها من صُحبةٍ، فهم بهذه الصحبةِ الكريمةِ في سلامٍ وأمنٍ، على قدمِ صدقٍ قد ثبَّتهم اللهِ بالقولِ الثابتِ، وتولاَّهم بولايتِه الحقَّة، يُخرِجُهم بها من ظلماتِ الشبهاتِ والشهواتِ إلى نورِ الإيمان الصادقِ، والطاعةِ الخالصةِ.
لا يضلُّون الطريقَ، ولا يَجِدُون مسَّ الشقاءِ في أيِّ ناحيةٍ من نواحي عيشِهم في هذه الدنيا؛ لأن اللهَ معهم بهدايتِه، وتوفيقِه وتسديدِه، ورعايتِه وعنايتِه:
{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 30 - 33] .