كلَّما حَاوَل الشيطانُ أن يُحزِنَهم ويؤسِفَهم على ما تَرَكوا من الجمهورِ والشيوخِ والسادةِ والآباءِ، وما فُتِنوا به من كتبٍ وطواغيتَ طال عليها الأمدُ، فذهبَت جذورُها وفروعُها في كلِّ عِرْقٍ ومفْصِلٍ، تدَارَكَهم اللهُ بولايتِه وهدايتِه، وأحاط قلوبَهم ونفوسَهم بملائكةِ رحمتِه، فوَجَدوا لذَّةَ الإيمانِ وحلاوةَ التوحيدِ، ونعمةَ الإنسانيةِ العاقلةِ الرشيدةِ، قد غَمَرهم الله بكرامتِها ونعيمها، فيزداد سرورُهم وفرحُهم بفضلِ اللهِ ورحمتِه، وثبَّتهم اللهُ بملائكتِه على يقينِ أن ما فَازُوا به من نعيمِ الهدى والإيمان الصادق خيرٌ من كلِّ ما يَجمَعُ الجاهلون الكافرون المقلِّدون من وظائفَ ووجاهةٍ ورياسةٍ ومالٍ وبنينَ، بل خيرٌ من الدنيا كلِّها وما فيها، وأن ما فَازُوا به من معيَّة الله الكبيرِ المُتَعَالِ ذي الفضلِ العظيمِ، وصحبةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، الذي اصطفاه الله واختاره، وأرسله رحمةً للعاملينَ - لا ينبغي أن يُذكر بجانبِ ذلك صحبةُ أهلِ الدنيا من أعظمِ ملِكٍ ورئيسٍ فيها إلى أصغرِ صغيرٍ، وأن مَا فَازُوا به من الحبِّ الصادق النقي من الخرافاتِ والأوهامِ، الحبُّ المستخلَص من عصارةِ تدبُّر آياتِ اللهِ والفقه في حديثِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
هذا الحبُّ لله ولرسولِه لا ينبغي - عندهم - ولا يَلِيق به أن يُقَارَن بحبِّ أهل الدنيا ومودَّتهم الكاذبةِ الخادعةِ المُهْلِكَة، فهم فَرِحُون أبدًا بما آتاهم اللهُ من نعمتِه، وما خَلَع عليهم من لباسِ كرامتِه، ولا يَحزَنُون إلا على ما ضيَّعوا من حياتِهم في الجاهليةِ الأُولى، وتأخُّرِهم فيها عن رفقةِ الحبيبِ الأكرم - صلى الله عليه وسلم - فهم يشدُّون المِئْزَر ويُوَاصِلُون الليلَ بالنهارِ مسارعةً إلى مغفرةِ اللهِ ورضوانِه، وكلَّما خَطَوا خطوةً موفقةً سديدةً فَرِحوا بالقُربِ، وزَادُوا قوَّة في سيرِهم، ونشاطًا في سعيِهم، لا يَلتَفِتُون إلى الوراءِ إلا على تجديدِ الندمِ والتوبةِ، والسرورِ الأتَمِّ الأكملِ، بما أنقذهم اللهُ من ظلماتِ هذا الماضي الجاهلي وضلالِه ووثنيتِه وتقليدِه البهيمي القَذِرِ، إلى نور هذه الهدايةِ القرآنيةِ الرسوليةِ، وكرامةِ هذه الإنسانيةِ العاقلةِ الرشيدةِ الصابرةِ الشاكرةِ.
وهم لا يَخَافُونَ من جموعِ الجماهيرِ الحاشدةِ بعداوتِهم والمكر لهم، بل كلَّما رَأَوا جموعَ الضلالِ والغَي تَتَكاثَر ازدَادُوا إيمانًا بعزَّة اللهِ وتأييدِه ونصرِه: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ