فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 231

الطيِّبة في ثباتِها ورسوخِها ودوامِ النفع بها، فيقابلُ كلَّ وصفٍ حسنٍ جميلٍ في الشجرة الطيِّبة ضدُّه في الخبيثةِ.

والمَثَلانِ يصوِّرانِ في وضوحٍ تامٍّ بالغٍ الإيمانَ الطيِّب الجميلَ النافعَ، وما يَجنِي المؤمنُ، والخبيثَ القبيحَ البشعَ الضارَّ أبلغ الضرر، وما يَجنِي الكافرُ منه، من الثمراتِ الخبيثة القبيحة الضارَّة المؤذية أشدَّ الأذى والضرر الملازم الدائم في الدنيا والآخرة.

فإن الإيمانَ الطيِّب هو مقتضى الفطرةِ والسنن الحكيمةِ التي فطر الله الوجودَ كلَّه عليها؛ ولذلك كان كلُّ شيءٍ في هذا الوجود يسبِّح بحمدِ اللهِ، وله يَسجُد مَن في السموات ومَن في الأرض طوعًا وكَرْهًا، وله أسلم مَن في السموات ومَن في الأرضِ طوعًا وكَرْهًا، وإليه يُرجَعونَ؛ لأنه - سبحانه - ربُّ كلِّ شيء، خالقُه ومدبِّره بكلِّ أنواع التدبير، بعلمِه وحكمتِه ورحمتِه وقهرِه وقوَّته، فمرجعُ كلِّ شيءٍ في جميعِ أدوارِه وأطوارِه إليه - سبحانه - هو الذي يَهدِيه، ويَمُدُّه بأسبابِ وجودِه وبقائه، والقيام بما خُلِق له، ولن تَجِدَ شيئًا في هذا الوجودِ يتمرَّد على الله، ويأخذ غير الطريق الذي خُلِق فيه ومن أجله إلا الإنسان الظالِم لنفسه، الذي يَعمَى عن الطريق الذي خَلَقه الله له، ويصمُّ عن سماعِ آيات الله التي تدعوه ليلًا ونهارًا، وتُنذِره عاقبةَ ما هو آخذٌ بسبيلِه؛ من الضلال والغي، والكفر بالله، وتكذيبِ آياته، والاستكبارِ عنها وعن نصحِها ووعظِها، وعما تدعوه إليه من الهدى والرشاد، وشجرةُ الإيمانِ الطيِّبةُ شأنُها كشأنِ كلِّ ما يَغرِس الإنسان من الشجر الذي يرجو نفعَه، ويَكِدُّ ويَعمَل جاهدًا في غرسِه وتعهُّده؛ ليَجنِيَ منه ما هو بحاجةٍ إليه ضرورية في عيشه وحياة جسمِه، وتعويض ما يُفنِيه الاحتراق بالحركة والنشاط الدائب في شؤون حياته الكادحةِ الليلَ والنهارَ.

فكما أنه يعلمُ - بما علَّمه الله خالقُه اللطيفُ الخبيرُ - أن هذه الشجرةَ لا تَنبُت، ولا تَنمُو، ولا تؤتي أُكُلَها إلا في أرضٍ طيِّبة، وأن الأرض لا يتحقَّق طيبُها إلا بسَقْيِها بالماء العَذْب، وبتنقيتِها من كلِّ الشجيرات والحشائشِ التي تمتصُّ وتأخذُ من قوى هذه الأرضِ فتضعفُها عن تغذيةِ شجرتِه، وتعطِّل نموَّها، أو تَقضِي عليها مرَّة واحدة بالموتِ؛ فيذهب عملُه وكدُّه، وما أنفق من ثمنِ بذورٍ وغيره هباءً؛ لذلك كلِّه فهو يستطيبُ الأرضَ، ويهيِّئُها بالحرثِ وتعريضِها للهواء والشمس، ثم يَسقِيها الماء ويَغمُرها كلما احتاجت إليه، ويَنقُل إليها من الطين والموادِّ النافعة ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت