فالإنسان الذي يَعقِل هذا، ويَفقَهُ عن ربِّه العليم الحكيم، وعن آياته وسننه الحكيمة، وقد جلا بصيرتَه من ظلمات العَمَى للآباء والشيوخ والسادة والرؤساء - يَهدِيه الله إلى هذا العلمِ القاطعِ، واليقين الجازمِ، فيَرجِع إلى أرضِ قلبِه، ويعملُ جاهدًا على إعادتِها إلى الطبيعة والفطرة التي فَطَرها عليها بارئُها ومصوِّرها العليم الحكيم، الذي وضع فيها كلَّ أسبابِ الطيب والهدى والعلم والرشد، وينقِّيها من كل ما غَرَسه وبَذَره فيها شيطانُ البيئة والتقاليد من أشجارٍ وزروعٍ خبيثةٍ لا يصعبُ عليه اجتثاثُها واقتلاعُها؛ فإنها ليس لها قرارٌ مع الصدقِ والإخلاصِ في الإيمان بسنن الله واللجوء إلى رحمته - سبحانه - وفضله وقوته، أن يمدَّه بعونٍ منه على هذا التطهير، ثم يَسقِيها من غيثِ القرآن الطيِّب، ويَحرثها ليظهرَ على خبءِ الجراثيم الفاسدة الخبيثة فيَطرَحها، ثم يكرِّر دائمًا سقيَها بغيثِ القرآنِ ومواعظِه ووصاياه ونُذُره، ووعده ووعيده وعِبَره، ثم يذهبُ مسرعًا إلى مشتل الرسالة المحمدية فيأخذ فَسيلةَ إيمانِه منها، ويغرسُها في هذه الأرضِ الطيبة، ثم يتعهَّدها بالتنقيةِ لكل خبيثٍ يُلقِيه الشيطان حولها من مشتل البيئةِ والتقاليد، ويَسقِيها دائمًا من ماء القرآنِ والسنة المطهَّرة، ومترسمًا في ذلك كلِّه خُطى مَهَرة الزرَّاع، الذين اصطفاهم الله واختارهم لصحبةِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - وأنعم عليهم بنعمةِ الهداية التامَّة، والتوفيق والتثبيتِ؛ من أبي بكرٍ وعمرَ وإخوانِهم، إخوانِ الصِّدقِ وأئمة الهدى - رضي الله عنهم - ولا يَفتُر لحظةً ولا يَنِي عن طلبِ المعونة والتوفيق من الله مقلِّب القلوب والأبصار، الذي بيده الأمرُ كلُّه، وإليه المرجعُ وحدَه في كل الأمور - سبحانه - ومَن يهدِ اللهُ فهو المهتدي؛ فعندئذٍ يتحقَّق له وعدُ اللهِ الحق:
• {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .
يثبِّتُه اللهُ القوي العزيز في مَيدَان الجهاد والعملِ أمامَ كلِّ شياطين الجنِّ والإنسِ الذين لا يَفتَؤون يَكِيدُون له ويحاربونه؛ ليَأسِرُوه ويُلقُوه في ظلماتِ الأهواء والشبهات والشهوات والبدع والخرافات، فيَخرج من كلِّ معركة وقد أعزَّه الله ونصره: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] .