فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 231

ويثبِّتُه الله أمام أعدائه من المُلحدِين والكافرين، الذين يحاولون جاهدين استعمارَ قلبِه ونفسِه بفجورِهم وزَيْغِهم، أو استعمارَ بلدِه ووطنِه لاستغلال ثمراتِه، وامتصاص دمِه، والتحكُّم في عِرْضِه ومالِه ونفسِه، فيمدُّه الله بكلِّ أسبابِ القوَّة حتى يخرج من المَعْمَعَة عزيزًا كريمًا، والعزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .

ويثبِّته على هذا الهدى والإيمان في هذه الدنيا، ويَلقَى ربَّه مؤمنًا صادقًا؛ فإن شجرة الإيمان الطيِّبة دائمةُ الثمرِ، فكلُّ عملِه الصالحِ، وطاعتِه لربِّه؛ في أرضِه ومَتجَرِه وبيتِه وأسرتِه، وحُكْمِه ونظامِه ومسجده، كلُّ ذلك يُثمِر له ثمراتٍ جديدةً تغذي رُوحَه ونفسَه بالقوى الدائبةِ الدائمة، فهو أبدًا في رُقِي وعلوٍّ على درجاتِ العلم والهدى والإيمان والتَّقوى حتى يَلقَى ربَّه، فيثبِّته عند المسألةِ في القبر، ويثبِّته على الصراط، ويثبِّته عند الحساب، ثم يَرفَعُه إلى أعلى علِّيِّين، جعلنا اللهُ من هؤلاء بمَنِّه وفضله.

وليعتَبِر العاقلُ الفَطِن بما أعطى الله أنبياءه ورسلَه وأصحابَهم - وبالأخصِّ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من التثبيتِ في كل مواقف الحياة ومعاركها، وما جعل ذلك دليلًا على صدقِ وعدِه في الآخرة إن شاء الله.

أما الكافرُ الذي كَفَر بالله وآياته الكونية والعلمية، وانسلخ منها كلِّها بالتقليدِ الأعمى، وارتكس في غمراتِ وظلماتِ الجاهلية والبهيمية - فإن الشيطان يَركَبُه ويَستَولِي عليه، ويَنفُذُ فيه، فلا يزال بأرضِ قلبِه حتى يَجتَالَها عن الفطرةِ السليمة الطيِّبة التي فطرها الله عليها، فإذا خَبُثَت - وهي لا بد أن تَخبُث - يُلقِي فيها كل الخبائث من الشبهات والأهواء والشهوات، ولا يزال به حتى يَكفُر برحمة الله وحكمته، وعدله ومشيئته، وقهره وقوَّته، فيزعم له أن ليس هناك إلا هذه الدنيا وما فيها من مباهج الطبيعة ومجاليها الجميلة، وأن ليس هناك آخرةٌ، ولا ثوابٌ، ولا جزاءٌ، وإن كان فهناك الشُّفعاءُ والوسطاء، فنفزع إليهم في الدنيا، ولنتَّخذهم آلهةً لنا؛ ليكونوا لنا يوم القيامة مُخَلِّصِين من عذابِها، ولينصرونَا من دون اللهِ، ولنتولَّهم بأنواعِ الولايةِ القلبية والجسمية؛ ليكونوا لنا كذلك شفعاءَ يوم القيامة، فهذا الكافرُ يَذهَب مطيَّة للشيطان يَجرِي به حيث يشاءُ من الغي والكفر والفساد، فمرَّة مع الشيوخ والآباء والسادة والرؤساء، وأخرى مع المارقين المُلحدِين الذين قطعوا كلَّ صلةٍ لهم بربِّ العالَمين، وأَعلَنُوا عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت