فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 231

الحربَ؛ مُستَعِينين بمطالعةِ الطبيعةِ والمادَّة، فهو كالريشة تتقاذفُها رياحُ الأهواء، وتَعصِف بها أعاصيرُ الكفر والباطل في كل وادٍ سحيق؛ لأنه قد انسلخ من آياتِ الله، وكفَر بها، واتَّخذ إلَهَه هواه، فأضلَّه الله على علمٍ، وختم على سمعِه وقلبِه، وجَعَل على بصرِه غشاوةً، فمَن يَهدِيه من بعد اللهِ؟ لن تجد له وليًّا مرشدًا، بل كل أوليائه الذين تولاهم من دون الله يُغْوونه أشدَّ الإغواء، ويضلُّونه أبعدَ الضلالِ، فصَدَق عليه وعيدُ اللهِ:

{وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27] .

فإنهم قد أخذوا سبيلَ الغَيِّ، بتقليدِهم لذوي الأهواء والشهوات الخسيسة، فلا يَزِيدُون كلَّ ساعةٍ إلا بُعْدًا عن الهوى، وإمعانًا في الضلال، وما ظَلَمهم الله شيئًا، بل هم الذين ظَلَموا أنفسَهم أفحشَ الظلمِ بكفرِهم بآيات الله في سمعِهم وأبصارِهم وأفئدتِهم، وأَلْقَوا بكلِّ ذلك لقمةً سائغةً لشيطانِ التقليد، فمضغها وازدَرَدها وهضمها، فعَاشُوا كما وَصَفهم الله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] .

وكما يَزِيد الله الذين اهتدوا برحمتِه وعدلِه هدًى، كذلك يَزِيد هؤلاءِ الضالِّين الغَاوِين ضلالًا وغيًّا بعدلِه وحكمتِه: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] .

وهو القاهرُ فوق عبادِه الذي يحكمُ لا معقِّبَ لحكمِه، ولا رادَّ لقضائه، ويَفعَلُ ما يشاء: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] ، فلم يَدَعْ لأحدٍ مجالًا لسؤالٍ، ولم يتركْ لأحدٍ بابًا لاعتراضٍ؛ فإنه لم يُفَاوِت بين الناس في خَلقِهم جميعًا خَلقًا واحدًا: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .

وما أخفى آيةً من آياته الكونية عن أحدٍ منهم، وأظهرَها وكشَفها لآخرَ، بل جلاَّها للجميع، وما أرسل رسولَه ولا أنزل كتابَه لواحدٍ دون آخرَ، بل أرسل رسولَه وأنزل كتابَه للناس كافَّة، كما جعَل الشمسَ والقمرَ نورًا للناس كافَّة، وجعل الأرضَ والسماءَ وما فيهما مسخَّراتٍ للناس كافَّة، ولم يُخَاطِب في كتابه ولا على لسانِ رسولِه أحدًا دون أحدٍ، بل وجَّه الخطابَ للناسِ كافَّة، وقد أقام لهم جميعًا أوضحَ الأدلةِ وأقطعَها على أن سنتَه لا تتبدَّل، ونظامَه لا يتغيَّر، فهل لأحدٍ بعد ذلك سؤالٌ أو اعتراضٌ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت