يُنكِرون أصلَها، ويَأخُذون بفروعِها، وعوامُّهم يقولون: قال فلانٌ من المؤلِّفين، وفعَل فلانٌ من الصوفيةِ الصالحين، ونحن لا نفهمُ كلامَ اللهِ ولا كلامَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وإنما نفهمُ كلامَ هؤلاءِ الفحولِ، بل وُجِدَ - ولا يزال يوجد - من المعمَّمين المدرِّسين مَن يصرِّحون في دروسِهم بأنه لا يجوزُ لمسلمٍ في زمانِهم أن يعمَل بكتابِ الله ولا بسنةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ولا بما نقَله المحدِّثون عن سلفِ الأمةِ الصالح، بل على كلِّ مسلمٍ أن يأخذَ بما يلقِّنه إيَّاه أيُّ عالِم يَنتَمِي إلى مذهبٍ من المذاهب المعروفة، وإن لم يَروِ ما يلقِّنه عن إمام المذهب، ولم يستدلَّ عليه بدليلٍ مبنِيٍّ على أصولِ المذهب، التي كان بها مذهًبا، كعمل أهلِ المدينةِ عند مالكٍ بشرطِه، وكونِ الإجماعِ الذي يحتجُّ به هو إجماعَ الصحابةِ دون مَن بعدهم، وهو مذهبُ داودَ، والمشهورُ عن أحمدَ، ورُوي عن أبي حنيفةَ، وكالخلاف في الاحتجاجِ بالحديث المرسَل.
والظالمون بالزندقةِ والنفاقِ يَبغُونَها عوجًا، بالتشكيك فيها بضروبٍ من التأويل، يُقصَدُ بها بطلانُ الثقةِ بها، والصدُّ عنها.
ومذاهبُ الباطنيةِ - التي أُدخِلت في الإسلامِ من منافذِ التشيُّع والتصوُّف - معروفةٌ، وقد كان لواضعي تلك التأويلاتِ من الفُرْسِ غرضٌ سياسيٌّ من إفسادِ الإسلام على أهلِه، وإحداثِ الشقاقِ بينهم فيه، وهو إضعافُ العربِ، وإزالةُ مُلكِهم؛ للتمكُّن من إعادةِ مُلْكِ فارسَ، وسلطانِ الملَّة الفارسيةِ المجوسيةِ، ثم رسَخ بالتقليدِ في طوائفَ من أجناسٍ أخرى، حتى العرب جَهِلوا أصلَه، ومن الأفرادِ مَن يحاولُ إفسادَ دينِ قومِه عليهم؛ ليكونوا مثلَه، فلا يكونُ محتقَرًا بينهم.
ومن زنادقةِ عصرِنا مَن يحاولون هذا؛ لظنِّهم أن قومَهم لا يمكنُ أن يكونوا كالإفرنجِ في حضارتِهم المادِّية إلا إذا تركوا دينَهم، مع أن المشاهَدَ أن الإفرنج يتعصَّبون لدينِهم، ويُنفِقُون الملايين في سبيلِ نشرِه.
والظالمون في الأحكامِ يَبغُونَها عوجًا بتركِ تَحَرِّي ما أمر الله - تعالى - من التزامِ الحقِّ، وإقامةِ ميزان العدل، والمساواة فيهما بين الناسِ بالقسط، بألا يُحَابَى أحدٌ لعقيدتِه أو مذهبِه، ولا لغناه