ولما كان المتاعُ والتمتيعُ لا يدومُ ويستمرُّ الانتفاعُ به، بل لا بدَّ أن يتغيَّر ويتبدَّل إلى أمرٍ آخرَ - لم يُستعمل في وصفِ ما يُنعِّم الله به أهلَ الجنةِ من النعيمِ الدائمِ الذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل.
يعجِّبُ اللهُ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - وكلَّ مؤمنٍ بالله وآياته، ومهتدٍ بهَدْي هذا الرسول، ووارثٍ لرسالته ودعوته - مِن حال أولئك الذين أنعم الله عليهم بالآيات للضلال والكفر، وكانوا بذلك أسوأَ قدوةٍ لقومهم وأئمةِ كفرِهم وضلالِهم، فأنزلوا أنفسَهم وقومَهم وأتباعَهم بذلك دارَ الهلاكِ والخسران والشقاء في الدنيا والآخرة؟ إن ذلك لعجبٌ أعجبُ العجبِ.
وهل أعجبُ من أمرِ الإنسان الذي يُكرِمه ربُّه، يَخلُقُه بيديه، ويَنفُخُ فيه من روحِه، ويمدُّه بأسبابِ القوَّة والرقي على معارج الكمال، فيُعطِيه السمعَ والبصرَ والعقلَ؛ ليُحسِن ويُدرِك ويتأمَّل ويتفكَّر، فيعرفَ نعمَ ربِّه عليه ويقدرَها، ويشكرَها باستعمالِ كلِّ نعمةٍ فيما خُلِقت له؛ ليَنتَفِع ويستفيدَ دائمًا فوائدَ جديدةً، ولا يزال يَرقَى والله يمدُّه ويُعِينه، ويثبِّته ويَأخُذ بيدِه حتى يصل إلى أعلى درجاتِ الكرامة في جوارِ ربِّه ودار كرامتِه، ثم هذا الإنسان يَكفُر بكلِّ ذلك، ويَنسَلِخ من آياتِ ربه، ويضعُ نفسَه مستسلمًا بغاية الذلَّة والمهانة مطيَّةً للشيطان عدوِّه، الذي حذره منه ربُّه أشدَّ التحذير، فيخدعُه هذا العدوُّ، ويَغُرُّه ويُغوِيه ويسوِّل له أنه حيوانٌ مقلِّد، لا فرقَ بينه وبين السائمةِ من الأنعام، فيَذهَب يتخبَّط وراء شيطانه وحزبِه في متاهات الغَيِّ والهوى والبغي، والكفر والفسوق والعصيان، فإذا بهذا البهيمِ قد قلَب آياتِ الله ونعمَه من الهدى إلى الضلالِ، ومن الإيمانِ إلى الكفرِ، فيَغضَبُ الله عليه أشدَّ الغضب، ويُعَاقِبُه أشدَّ العقوبةِ، ويجعلُ من هذه الآياتِ والنعم أسبابًا لكفره وشقائه، جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلامٍ للعبيد!
وهل أعجبُ من الإنسانِ الذي يسخِّر الله له ما في السمواتِ والأرضِ، فالأرضُ مذلَّلة ممهَّدة، والسموات من فوقه سقفٌ مزيَّن بالنجومِ، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، والشمسُ ضياءٌ، والقمر نورٌ، والملائكة تتنَزَّل إليه من عند ربِّه بالرحمة والأرزاق، والحفظ والتدبير، وجعل له ربُّه كلَّ ذلك متجرًا مباحًا يتَّجِر فيه بما يرسمُ له ربُّه العليم الحكيم الرحيم، بما يزيح منه أطيب الريح وأكرمه سعادة الدنيا والآخرة، فإذا بهذا الإنسانِ الظالم الجهول يَكفُرُ بكلِّ ذلك ولا