يشكره، ويتَّخِذ منه متجرًا خاسرًا لبهيميته الشرسة الفاجرة، ويُخضعُه لسلطانِ هواه وشيطانِه للحرمات، فلا يَلبَث أن يَنقَلِب بكفرِه وبظلمِه وجهلِه إلى النار وبئس القرار!
ولقد كان كلُّ شيءٍ سخَّره الله له في السماء والأرضِ يَدعُوه إلى الجنةِ، ويَهدِيه إليها، فأبى إلا أن يكونَ من الخاسرين!
وهل أعجبُ وأعجبُ من الإنسانِ يَزِيده الله كرامةً، فيَبعَث إليه رسلًا مبشِّرين ومُنذِرِين، ثم يُقِيم للإنسانِ أوضحَ الأدلَّة وأصدقَ البراهينِ على صدقِ هؤلاء الرسلِ، ونُصحِهم وأمانتِهم وشفقتِهم وبرِّهم، ويضعُ في هذا الإنسان أقوى الآياتِ وأبينَها على أن رحمةَ وحكمةَ اللهِ الذي يتولاَّك ويتعهَّدك بسوابغِ نعمِه وفضلِه في حياتِك ورزقِك وجسمِك وولدِك، وأرضِك وسمائك وأنعامك - تقضي أن يتولَّى برحمتِه وحكمتِه تغذيةَ رُوحِك وعقلِك، كما يغذِّي جسمَك بأنواعِ الغذاءِ، وكما يُنزل رزقَك من السماءِ، والماءُ يُحْيي أرضَك، ويُنبِت فيها من كلِّ زوجٍ كريم، كذلك يُنْزِل غذاءَ رُوحِك وعقلِك من السماء على مَن يصطفي من بَنِي جنسِك، ويَدعُوك بكل ذلك إلى شكرِ نعمتِه وتقديرِها قدرَها، فينتفع الإنسانُ بها، ويأخذُ ما يَشفِي قلبَه وعقلَه ونفسَه من المرض الذي قَذَفه عدوُّه الشيطان وحزبُه، ورماه به، فيأبَى هذا الإنسانُ الجهول الظالِم إلا أن يَبقَى على ما وَرِث من دين الآباء والشيوخ، وتَغلِبه شِقْوَته ويُصِرُّ على ألا يَخرُجَ من أكوام التقليد والجهالات الوثنية والخرافات، [ويصرُّ على] أن هذا دين يُحِبُّه ربُّ العالَمين، ويَرضَى عنه قيُّوم السموات والأرضين، ويصرُّ برغم كلِّ ذلك على الكفر بنعمة الله العظمى في رسلِه وكتبِه وشرائعه، فتنقَلِب بعد أن كانت هدًى ورحمةً وإيمانًا وعبادةً لمن سلف وخلف ممن أخذها بقوَّة وفهْمٍ وتدبُّر، وعَرَفُوها وقَدروها نعمةً فشكروها، تنقلب بالنسبةِ لهذا الإنسان الجاهل الظالِم كفرًا وضلالًا، لا يزداد بها كلَّ يومٍ - بل كلَّ ساعةٍ - إلا بُعْدًا عن الله، يَستَنْزِلُ بها غضبَ الله ولعنتَه، حتى يَنقَلِب إلى النار وبئس القرار.
وهل أعجبُ من الإنسان الذي يَزعُم أنه يَحفَظُ القرآن ويَقرَأُ الحديث، أو يَقتَنِي في بيتِه القرآنَ وكتبَ الحديثِ التي هي أجلُّ وأعظمُ نعمةٍ، فلا يقدرُها قدرَها، ولا يشكرُها حقَّ شكرِها، بل يأخذُها تمائمَ وتعاويذَ للحفظِ من السرقِ والحرقِ، ومن العفاريتِ والجنِّ، ومن الحسدِ وأمثال ذلك من الخرافات والجهالات الوثنية، أو يتَّخذها حرفةً يتأكل بها فيجوِّدُ