حروفها؛ ويُوقِعها على الأنغامِ الموسيقية، والحركات والأصوات الصناعية، وهو - في عقيدتِها وأحكامِها وشرائعِها - أبلدُ من الحمار، فيقلِب هداها في نفسِه ونفس سامعيه وعارفيه ضَلالًا، ونورَها ظلمةً، وإيمانَها كفرًا، وتوحيدَها شركًا، فدينُه دينُ الجاهليةِ، وعقيدتُه الوثنية، وصلاتُه وصومُه وحجُّه تقليدُ القِرَدة، لا يَجنِي من كل ذلك إلا التعمُّقَ في الضلال والكفر، والارتكاسَ في العَمَهِ والغَيِّ، وما يزال هذا شأنَه حتى يَضْطَرَّه الله العليم الحكيم إلى النار وبئس القرار!
وهل أعجبُ وأعجبُ ممن أنعم الله عليهم بنعمةِ الرياسة والزعامة الدينية أو الدنيوية في الأمة، فعَمُوا أشدَّ العَمَى وصمُّوا أشدَّ الصممِ عما تَدعُوهم إليه وتَقتضِيهم هذه النعمةُ من تقديرِها قدرَها، وتقدير مسؤوليتها وحسابها العسير بين يدي أحكمِ الحاكمين وأسرع الحاسبين، فكَفَروا أبغضَ الكفرِ وأمقتَه بهذه النعمة، وذهبوا يهْرَعُون وراءَ أهوائهم وشيطانِهم، يَقُودُونَ الأمَّة إلى مهاوِي الفسق والفساد، وانحلال الأخلاق وكل المقومات، ويزجُّون بها في جحيم الشرك والكفر والوثنية، ويستغلُّون ما خوَّلهم الله من هذه الرياساتِ في إشباعِ شهوات بطونهم وفروجِهم وأهوائهم الطائشة، حتى يُورِدُوها أفتكَ مواردِ الهلاكِ والبَوَار، وهم يظنُّون - بغفلِتهم التي غَرِقُوا فيها إلى الآذان - أنهم سَالِمون، ولتَهلِك الأمَّة ما تَهلِك، ولتعذَّب ألوانَ العذاب ما داموا منعَّمين في ترفِهم وشهواتِهم، ولكنَّ الله يهدِّد ويتوعَّد، ويُنذِر ويحذِّر، والله لا يُخلِف وعدَه، فسَيَنالُهم من البَوَار والهلاكِ والخَسَار أَشَدُّه، وسيأكلون أيديَهم ندمًا وحسرةً على ما فرَّطوا في جنبِ الله.
والويلُ كل الويل لمن لم يسمع، أو يسمع ولم يَعقِل، ولم يَثُبْ إلى رشدِه ويرجع عن غيِّه، حتى يأتِيَ وعيد الله.
وإنكم لترونه بعيدًا ونراه قريبًا، ولا عاصمَ من أمرِ الله إلا مَن رَحِم، فإذا جاء أمر الله قُضِي بالحقِّ، وخَسِر هنالك المُبْطِلون.
وهكذا إن ذَهَبنا نعدُّ أصنافَ الناس، ونَكشِف عن حقائقِهم، ونمزِّق عن أوهامِهم هذا السترَ الرقيقَ الذي غرَّهم به الشيطان وحزبُه، وخَدَعوهم عن معرفة نعمِ الله وتقديرها وشكرها - نَجِدُهم قد صدَّق عليهم إبليسُ ظنَّه، فكانوا من الكافرين، ولا يخلص لا من هذه الملايين إلا أقلُّ القليلِ، الذين عَرَفوا نعمةَ اللهِ في إنسانيتِهم، وآياتِ ربِّهم الكونيةَ والعلمية، وفي كتبِه