فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 231

نفعَهم بهذا الإنفاقِ في مرضاة الله أعظمُ من نفعِ القريبِ أو الفقيرِ الذي أكَلَها فأَفنَاها أو لَبِسَها فأَبْلاها، أو أَنفَقَها فأَنفَذَها بعد زمنٍ قليل.

أما المُنفِق في مرضاة الله، فإنه سيجدُها مضاعَفةً أضعافًا كثيرة، ويَجدُها في يوم لا تباعُ فيه حسناتٌ، ولا تشترى فيه جنَّاتٌ، ولا ينفعُ خليلٌ خليلَه: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * ... * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [المعارج: 10 - 14 * ... * 39] .

آمن هؤلاءِ بهذا اليومِ وخافوه أشدَّ الخوف، وعَرَفوا أن الدنيا متعٌ قليلةٌ، فاتَّخذوها مطيَّة لآخرتِهم، ورَكِبُوها ذليلةً خاضعةً لإيمانهم وآخرتِهم، التي ليست كما يَفهَم المَغرُورون البُلَداءُ الأغبياء، الذين صدَّق عليهم إبليسُ ظنَّه، فزَعَم لهم أن الله غفورٌ رحيمٌ، وليس شديدَ العقابِ، وأن مثل الآخرة كمثلِ دنياهم الظالمةِ الغاشمةِ، ليس فيها عدلٌ ولا حكمةٌ، وإنما فيها الأغراضُ وشفاعاتُ الأولياءِ من أنسباءِ الله سبحانه أو أقربائه - تعالى ربُّنا عن ذلك - وأن النجاةَ هناك لا تكلِّفهم إلا أن يتسمَّوا بما يهوَوْن من أسماء، ويَنتَسِبون نسبًا كاذبة خادعة، ويقولون بألسنتِهم ما لا تَفقَهُه عقولُهم، ولا تُؤمِن به قلوبُهم؛ حسبُهم ذلك القولُ وتلك النسبةُ مفتاحًا للجنةِ، مهما أشركوا باللهِ واتَّخذوا من دونه الأولياءَ آلهةً يعبدونَها أخلصَ عبادةٍ، ومهما اعتقدوا أن أولئك الأولياءَ يشاركون الله - سبحانه - في كلِّ صفات الربوبية، حتى في القهر، والغلبة، والعزة، والانتقام وشديد العقاب، ومهما أَوْغَلُوا في غيِّهم وفسادِهم، ورَكِبُوا في غيِّهم وفسادِهم، ورَكِبُوا أعوجَ الطرقِ في البَغْيِ والشرِّ وعبادة الهوى والشهوات - خَابُوا وخَسِروا وضلَّ سعيُهم ضلالًا بعيدًا، والحمدُ للهِ الذي عافانا، ونسأله - سبحانه - ألا يُزِيغ قلوبَنا بعد إذ هدانا.

أما أولئك المؤمنون الصادقون، فهم يَعرِفُون الآخرةَ، وَصَفها الحكيم العليم: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123، 124] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت