وأرحمِ الراحمين، فما يَنطِقُون بكلمةٍ من القرآنِ والذكرِ إلا وقلوبُهم حاضرةٌ مع لسانِهم، متدبِّرة مُهتَدِية متذكِّرة غيرُ غافلةٍ ولا لاهيةٍ، ولا منصرفة عن ربِّهم، ولا ساهيةٍ، وهم لا يتحرَّكون حركةً من قيامٍ، وركوعٍ، وسجودٍ، وخفضٍ، ورفعٍ إلا وأرواحُهم وقلوبُهم وكلُّ مشاعرهم الإنسانيةِ ومعنويَّاتهم المؤمنة تتحرَّك حركةَ الخشوع والإخبات والذلِّ والضراعة، فلا يَنصَرِفُون من موقفِهم هذا إلا وقد نَهِلت كلُّ جارحةٍ، فأدبٌ عالٍ، وخُلقٌ كريمٌ، ونفسٌ زكيَّةٌ، ورُوحٌ ساميةٌ، وعزَّة رفيعة، وكل ما شئتَ من الكمالات الإيمانية التي تدعو إلى البِرِّ والتقوى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وهم أبدًا يَزدَادُون بصلاتِهم قربًا واتصالًا يُحْيِيهم مع سيِّدهم الرؤوف الرحيم، ويزدادون بها هدًى ونورًا، وعلمًا وحِكَمًا، وإيمانًا وشكرًا لنعمِ المُنعِم الكريمِ، ثمرات طيِّبة مباركة بجنانِها في كلِّ حينٍ بإذن ربهم من شجرة الصلاة الطيبة المباركة، وهم لذلك يتحيَّنون كلَّ فرصة، ويترقَّبون كل بابٍ للخير يفتحُه لهم سيِّدهم البَرُّ الرحيم، فيتسَارَعُون إليه فَرِحين، نَشِطين غيرَ كُسَالَى ولا مُتَوَانِين، فما وضع اللهُ في أيديهم من رزقٍ، وما أفاء عليهم سيِّدهم من نعمةِ مالٍ أو قوَّةٍ في أجسامهم، يُبَادِرُون بإنفاقها، والسعي بها إلى مرضاة الله؛ إيمانًا بأنه - سبحانه - ما وضع في أيديهم هذه النعمَ إلا ليتَّخِذوها مطايا يَركُضُون بها، فيَفتَح لهم من طرقِ البِرِّ والخير سرًّا وعلانيةً، وكل وقت بحسبِه وما تَهدِيهم إليه حكمتُهم وقلبُهم الرحيم، وأنه ما وَهَبهم ذلك إلا ليتَّخِذوه زادًا يدَّخِرونه في خزائن رحمةِ وفضلِ الواسع العليم، فلا يُحَاسِبُونه - سبحانه - ولا يَمُنُّون عليه ويقولون: حسبنا ما أخرجنا من زكاة حوليَّة، هو كل ما كلَّفتنا به، وضربتَ علينا في أموالنا، ولا يقولون لذي رحم ولا فقير ولا مسكين: حسبك ما أعطيناك يوم كذا في شهر كذا، وإنما يؤمنون بأن الفضلَ كل الفضلِ للهِ، الذي هيَّأ لهم هذه الفرصَ الثمينة لخيرِهم وسعادتهم، ثم الفضل لهذا القريبِ أو الفقيرِ الذي كان السببَ في هذه النعمة، والمساعد على هذا الادِّخار عند الغنِي الحميد، وأن صدقتَهم ما وَقَعت في يدِه، وإنما وَقَعت في يمينِ الرحمن، وهو الذي تقبَّلها بيمينِه - وكلتا يديه سبحانه يمينٌ - وأنه كما أخبر الصادقُ المصدوقُ في سيُربِّيها ويتعهَّدها حتى يوفِّيَها لصاحبِها أمثالَ الجبالِ من الحسنات في يومٍ لا بيعٌ فيه ولا خِلالٌ، وأن الحقيقةَ التي لا شكَّ فيها عندهم ولا ريبَ أن