بَالَغ في خفضِ الجَنَاحِ له، فعُومِل بصفةِ الذلِّ يوم القيامة، ولأن في الضبعِ عِوَجًا فأشير إلى أن آزرَ لم يَستَقِم فيؤمن، بل استمرَّ على عِوَجِه في الطبعِ والدينِ"؛ اهـ ببعض تصرف."
والعجبُ من الحافظِ وغيره من علماءِ النسب والتفسيرِ - بعد أن يسمعوا تسميةَ اللهِ ورسولِه لأبي إبراهيمَ بآزر - أن يُسمُّوه"تارح"، مقلِّدين في ذلك أهلَ الكتاب، الذين قد عُلِم علمًا ضروريًّا تعمُّدُهم الكذبَ والتحريف والتبديل، وأعجبُ من هؤلاء وأدخلُ في الباطلِ الذين يَزعُمُون أن آزر كان عمَّ إبراهيم، ولم يكن أباه، وهذا من تحريفِ الكتاب عن موضعِه، كما صَنَع أهل الكتاب سواءً بسواءٍ، ومَن أصدق من الله قيلًا؟ وكم فَسَدت عقائدُ، وضلَّ الناس سبلًا، وشوِّهت حقائق، وطُمِست معالِمُ بتقليدِ مَن زعموا أنهم يفسِّرون القرآنَ من عند أهلالكتاب، وحشر تلفيقاتِهم وخرافاتِهم في هذه الكتب التي تسمَّى عند العامَّة والدَّهْماء"تفسيرَ القرآنِ"، ويقلِّد الآخِرُ منهم الأولَ على غير بصيرةٍ، والقرآنُ يَشكُو مرَّ الشكوى منها، وينادي بآياته البيِّنات: أيها الناس، افهَمُونِي بعيدًا عن هذه الخرافاتِ والجهالاتِ، افهَمُونِي غضًّا طريًّا باللسانِ العربِي المُبِين، كما نزل بِي الرُّوحُ الأمينُ علي قلبِ نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - وكما فَهمَنِي أصحابه والتابعون لهم، فإن فَهِمتموني كذلك آتاكم الله بِي الهُدَى والرحمة، ونفعكم بِي في دينكم ودنياكم وآخرتكم، وأخذ بكم للتي هي أقوم في كل شؤونِكم، إن كنتم تعقلون.
• و"البلد": هو مكَّة، زادها الله شرفًا، وصانها من كلِّ سوء، ووقاها عاديةَ كلِّ ظالم باغٍ، وجعَلها أبدًا مَأْرِزًا للإسلامِ ومَعْقِلًا، مطهَّرة من كل شائبة تكدرُ صفوَ الإسلام، ولا تُسمَّى البقعةُ بلدًا إلا إذا قامت فيها الدُّور وأَهِلت بالسكَّان، وقبل ذلك لا تسمَّى بلدًا ولا قريةً، ولها أسماء غير ذلك مما هو معروف في اللغةِ، فهذا يدلُّ على أنَّ إبراهيم خليل الله - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - إنما دعا بهذا الدعاء، بعد أن نزلت"جُرْهُم"في جوارِ هاجرَ وابنِها إسماعيلَ، حين عَلِموا أن الله فجَّر في ذلك الوادي عينَ"زمزم"، ثم اتَّخذوا الدُّورَ، وتزوَّج منهم إسماعيل - عليه السلام - وكان له ذريةٌ بعد أن بَنَى هو وأبوه إبراهيم بيتَ الله المحرم.
ولَمَّا كان هذا البلدُ في وادٍ غيرِ ذي زرعٍ، تُحِيط به الجبال والصحارَى المُقفِرة من جميع جوانبه، وذلك مظنَّة الخوفِ من الجوع والظمأ، ومما يسكنُ الجبالَ في العادةِ من الوحوشِ