فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 231

والهَوَامِّ، وما يكتسبُه سكَّان مثل هذه البقاع الموحِشة المُقفِرة في العادة من الغِلظَة والجَفَاء والوَحْشَة المورثة للنفور، وما يترتَّب على ذلك من العداوةِ، وما تُنتِجُه من خوفِ الشحناء، والعدوان، والبغي، وسفك الدماء، وكل ذلك مظنَّة أن يَنتَهِزه الشيطان فرصةً يستغلُّها في ركوبِ هؤلاء، والجري بهم في مجاهلِ الضلالِ والشركِ والوثنية، فيكون الخوفُ أشدَّ وأعظمَ من غضبِ الله وشديدِ عقابِه في الدنيا والآخرة، وأيضًا لما اختصَّ الله هذا البلدَ وشرَّفه ببيته المحرَّم، الذي جعله مثابةً للناسِ، وأمنًا لكل من يقصدُه، ويعوذ به صادقًا في إيمانه لربه، مخلصًا دينَه وعبادتَه له وحده، قاصدًا أن يعيذَه الرؤوفُ الرحيم من شرِّ نفسه وسيِّئ عملِه، وأن يَمُنَّ عليه بتوبةٍ نصوحٍ، وإنابة ممحِّصة لقلبه، ومطهِّرة لنفسه مما يخافه ويخشاه من ذنوبه، وجنايته، وظلمه، وجهله، مما سلط عليه عدوه، والذي يدعو حزبَه إلى عذاب السعير، ويبعدُه عن أرحمِ الراحمين، وهذا اللائذُ الآتِي بأثقالِه وأوزارِه يَرجُو ربَّه أن يَحُطَّها عنه ويَمنَحَه المغفرة التي يعودُ بها قويًّا على نَيلِ الأمنِ والعافية بطاعة ربه، والعمل بما يرضاه بقية حياته، موفِّيًا بما عاهد عليه الله؛ لما كان ذلك كذلك، كان قاصد هذا البلد في أشدِّ الحاجة إلى الجوِّ الهادئِ الساكن الذي لا يكونُ فيه ما يزعجُ نفسَه، ويَشغَلُها عما قصد إليه، وشدَّ رَحْلَه، وتكبَّد السعي من كلِّ فجٍّ عميق، وفارق الأهل والوطن من أجلِه.

لذلك كله - والله أعلم - دعا إبراهيمُ - عليه السلام - ربَّه الكريمَ الحَفِيَّ به أن يجعل هذا البلدَ آمنا أمنًا عامًّا شاملًا من كل ما يُخِيف ويَشغَل القلبَ ويُفزعه من مخاوفِ الدنيا والآخرة؛ ليتوفَّر اللائذُ العائذُ بكلِّ حواسِّه ومعناه على صدق اللجأ إلى الله، والقيام بالمناسكِ وأداء المشاعر، على الوجه الذي يُشْعِرُه بأنه قد دخل حظيرةَ الأمنِ والعافيةِ في دينِه ودنياه وآخرته بفضل الله ورحمته.

يفصل إجمالَ هذا الأمنِ ويَشرَحُه بقيَّةُ الدعاء، فيقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} .

قال الفرَّاء: أهل الحجاز يقولون:"جنَبنِي"- بفتح النونِ مخفَّفة -"يَجْنُبُنِي"- بضمِّها مخفَّفة كذلك، وأهل نجدٍ يقولون: أَجنِبني شرَّه وجنِّبنِي - بكسر النون مثقَّلة - ونحو هذا، قال الكسائي: أَجنَبته كذا؛ جعلته ناحيةً منه وجانبًا، وكذلك: جنَبته وجنَّبته - بتخفيف النون وتشديدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت