والدعاء من إبراهيم أن يُجنَّبَ عبادةَ الأصنام، وهو كافرٌ بها، ومتبَرِّئ منها جميعِها ومن عابديها، بل ومكسِّرها ومُعلِن الحرب عليها وعلى عابديها - على معنى: ثبِّتنِي على اجتنابِها، والكفر بها، والبراءة منها، والعَدَاء والحرب لها ولعابديها، كما قال: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128] ؛ أي: ثبِّتنا على الإسلام، واحفظ قلوبَنا من الزَّيغ عنه؛ فإن القلوب متقلِّبة متحرِّكة أبدًا، إن لم تتحرَّك إلى الأمامِ بالعلم والهدى والإيمان، فهي لا بدَّ متحرِّكةٌ إلى القهقرى، بالجهلِ والكفرِ والفسادِ.
روى البخاري عن ابن عمرَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أكثرَ ما يَحلِف به: (( لا ومقلِّب القلوب، بلى ومقلِّب القلوب ) ) [1] .
وقال الحافظُ ابن حجرٍ في الفتح (13: 295) في شرحه وفي دعائه - صلى الله عليه وسلم: (( يا مقلِّب القلوبِ، ثبِّت قلبِي على دينِك ) ):"إشارة إلى شمول ذلك - أي تقليب القلوب - للعباد حتى الأنبياء، ورفع توهُّم مَن يتوهَّم أنهم يُستَثنَون من ذلك، وخصَّ نفسَه بالذِّكر؛ إعلامًا بأن نفسَه الزكيةَ - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت مفتقرةً إلى أن تلجأَ إلى الله - سبحانه - فافتقارِ غيرِها - ممن هو دونه - أحقُّ بذلك زيادة ليست في الفتح."
وقال الحافظُ ابنُ كثيرٍ في تفسير قولِه - تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] :"عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يدعو: (( يا مقلِّب [القلوب] ، ثبِّت قلبي على دينك ) )، قلت: يا رسول الله، ما أكثرَ ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: (( ليس من قلبٍ إلا وهو بين أصبعينِ من أصابعِ الرحمن، إذا شاء أن يُقِيمه أقامه، وإذا شاء أن يُزِيغَه أزاغه، أَمَا تسمعينَ قولَه - تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} الآيةَ [2] "، غريبٌ من هذا الوجه، ولكنَّ أصلَه ثابتٌ في الصحيحينِ وغيرِهما من طرق كثيرة، بدون زيادة ذِكر الآية الكريمة، وقد رواه أبو داود والنَّسائي، وابن مردويه ... عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه"
(1) أخرجه البخاري برقم (6842) في كتاب التوحيد باب مقلب القلوب.
(2) صحيح: أخرجه الترمذي برقم (3522) وصححه الألباني.