لكن الذين يَعرِفُون ربَّهم وحكمتَه ورحمتَه وسننَه في أنفسِهم وفي الآفاقِ يَقِفُون بعقولِهم ضارِعينَ خَاشِعينَ، مُنصِتِين لآياتِ الله وحكمتِه ورحمتِه، فإذا بهم يَسمَعُونَ الجوابَ الصحيحَ السليمَ:
إن الذي أَخرَج إبراهيمَ نقيًّا صافيًا زكيًّا، خالصًا من كل شائبة، محفوظًا من أن تتقذَّر نفسُه بأيِّ صورة من هذه الصورِ النَّجِسَة، التي كانت تَغمُره من كلِّ جوانبه وتناديه بأعيادها وطقوسِها بكلِّ صوت، إن الذي صان عقلَه ورُوحَه في أكمام الطُّهْرِ والنقاء واليقينِ بحكمةِ ربِّه وآياته الكونية في نفسه وفي الآفاقِ، ورحمتِه وفضلِه - هو الذي أخرجَ ويُخرِجُ كلَّ ساعةٍ من بينِ فَرْثٍ ودمٍ لبنًا.
إن الذي أخرجَ إبراهيمَ من هذه البيئةِ الخبيثةِ شجرةً طيِّبةً مباركةً زكيةًَ ناميةً، تُؤتِي من كل الطيِّبات ثمرًا تُحْيِي به القلوبَ والأرواحَ أطيبَ حياةٍ وأزكاها وأسعدَها - هو الذي يُحْيي الأرضَ بعد موتِها، ويُنبِت فيها من كلِّ زوج كريم.
إن الذي أخرجَ إبراهيم نورًا ساطعًا، وسراجًا منيرًا يَهدِي به الله مَن اتَّبع رضوانَه سُبُلَ السلامِ، ويُخرِجُهم من الظلماتِ إلى النور بإذن ربِّهم، ويَهدِيهم إلى صراطِه المستقيمِ - هو الذي يَسلَخ النهارَ من الليل، ويَسلَخُ الليلَ من النهارِ، وهو الذي جعل الشمس ضياءً، والقمر نورًا، وقدَّره منازلَ.
إن الذي أخرجَ إبراهيم حيًّا الحياةَ الإنسانيةَ الكريمةَ، مؤمنًا بهذه الحياةِ، مقدِّرًا لها، شاكرًا نعمة ربِّه فيها - من وسط هذه البيئة التي ضرب عليها التقليدُ نطاقًا ضيقًا، وسجَنها في غَيِّهِ المُظلِم، حتى ماتت إنسانيتُها العاقلة المفكِّرة البصيرة السمعية، فخرَّت صَرْعَى، لا تُحسُّ إلا بهيميتها، ولا تعرفُ إلا المادَّة الجامدةَ الميتةَ تعبدُها وتقدِّسها، وتتشبَّث بخيوطِها الواهنة، وطال عليها الأمدُ في هذا الموتِ حتى جُيِّفَت منها القلوب، وأَنتَنت في قبورِ الصدورِ المظلمةِ الحاقدةِ المكذِّبة لربِّها وحكمته ونعمه وآياته - نَعَمْ إن الذي أخرجَ إبراهيمَ حيًّا قويَّ الحياةِ بإنسانيته العاقلة المفكِّرة؛ هو الذي يُخرِج الحيَّ من الميِّت، ويُخرِج الميِّت من الحيِّ، ويَرزُق مَن يشاء بغير حسابٍ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] .