فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 231

نَعم، إن الذي أخرجَ إبراهيمَ كذلك، وهيَّأه وأعدَّه بذلك للسفارةِ بينه وبين خَلقِه، لتبليغ رسالة ربِّه، ولتطهيرِ الأرض من هذه الأصنامِ التي أضلَّت كثيرًا من الناسِ، حتى أباه وأُسرتَه - هو الذي أخرجَ آدمَ من طينٍ لازبٍ، ومن صَلْصَالٍ كالفخَّارِ، وأخرج موسى من الأمة الذليلةِ الحقيرةِ التي كان يَسومُها فرعونُ وآلُه سوءَ العذاب، يذبِّحون أبناءهم، ويَسْتَحْيُون نساءَهم، وهو الذي ربَّى موسى ونشَّأه في بيتِ الجبَّار الطاغي فرعونَ، وفي كفالتِه، وعلى مائدتِه، وتحت رعايتِه، وهو الذي أخرج عيسى ابنَ مريمَ الصدِّيقةِ القانتةِ لربِّها من غير أن يمسَّها بشَرٌ، وهو الذي أخرجَ محمدًا خاتمَ المرسَلين من بيتِ الرياسةِ لدين الوثنيةِ وعبادةِ اللاتِ والعُزَّى ومناةَ الثالثةِ الأخرى، فلقد سمَّى عبدُالمطَّلب ولدَه عبدالعُزَّى - أبا لهبٍ - وما يسمِّي عبدَالعزى إلا مَن كان هو عبدًا للعُزَّى وغيرها من الأوثانِ الأصنام.

وكانت آخر كلمةٍ لأبي طالبٍ، وابنُ أخيه محمدٌ عبدُ اللهِ ورسوله، يَدعُوه ويرجوه ويُلِحَّ عليه في الرجاءِ، أن يقولَ:"لا إلهَ إلا اللهُ"، فيقول أبو طالبٍ:"على دينِ شيوخِ قريشٍ"، وما كان شيوخُ قريشٍ وساداتُها إلا بَنِي هاشم، وعبدُالمطَّلب آخرُهم، وهو الذي كان يَعنِيه أبو طالب، وما كان دينُهم إلا الوثنية النجسة.

وما كان ذلك من صنعِ الله - سبحانه وتعالى - إلا ليُقِيم الآيةَ البيِّنة، والمُعجِزَة الباهرة على عظيمِ قدرتِه وبالغِ حكمتِه وواسعِ رحمتِه، ولتكونَ الحجَّة لأولئكَ المُصطَفَينَ الأخيار من رسلِ اللهِ أقوى وأبلغَ، وأصدقَ في الدلالةِ على عظيمِ عناية الله - تعالى - بهم، وأنهم أحقُّ الناسِ وأَوْلاهم بهذه العنايةِ التي أدَّت بهم إلى هذا الاصطفاءِ، وجعلتهم رسلَ اللهِ الذين يقولونُ عن الله بالعلمِ والحقِّ، ويَحمِلُون للناسِ أمانةَ الله التي بها حياتُهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29 - 31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت