فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 231

يقول إبراهيمُ: يا ربِّ، إن هذه الأصنامَ أضلَّت كثيرًا من الناسِ، وذَهَبت بهم بعيدًا عن رحمتِك وحكمتِك، وطوَّحت بهم في متاهاتِ الكفرِ بآلائِك وآياتِك ونعمتِك، وأَخَذت بهم في طريقٍ لا ينالون من ورائها إلا شقاءَ الدنيا، ونَكَدَ عيشِها، وعذابَ الآخرة، وشديدَ عقابِها، ولن يجدوا لهم من هؤلاء المعبودِينَ وليًّا ولا نصيرًا في الدنيا ولا في الآخرة، فلن ينصروهم في الدنيا ولن يقوُّوهم، ولن يكون لهم إلا الخيبةُ تملأ أيديَهم، والخسرانُ يُحِيط بهم: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81 - 82] .

{وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 46] .

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: 74، 75] .

وكما قال إبراهيمُ هذا، قاله كل نبِيٍّ أرسله اللهُ ليطهِّر الأرضَ من هذه الأصنامِ، التي أضلَّت كثيرًا من الناس، وكذلك نقولُها نحن اليومَ، ويقولها اليوم معنا كلُّ مؤمن بالله وبآياتِه وكتبه ورسله، وكلُّ مَن عَرَف سُننَ اللهِ في خلقه، وعَرَف كيدَ الشيطان للإنسان في كلِّ زمانٍ ومكان.

والضالُّ: التائهُ الذي سَلَك طريقًا يظن أنه يبلغُ به إلى غايتِه ومقصودِه؛ فينتَهِي به إلى عكسِ غايتِه، ونقيضِ مقصودِه، وما يَضِلُّ الضالُّ ولا يَتُوهُ التائهُ إلا بما يَغلِب عليه من الغفلةِ التي يَكونُ بها في شبهِ تخديرٍ وغيبوبةٍ وسُكْرٍ، فيَذهَبُ مُغِذًّا في السيرِ على غير هدًى ولا تعقُّل ولا تبصُّر، لا يَلتَفِت إلى معالِم الطريق، ولا يتحرَّى صُوَاه ومنارَه، ولا يسألُ ذا خبرةٍ ودرايةٍ، ومن أين له أن يَعرِف ذا الخبرةَ والدرايةَ، وهو غارقٌ في بحرٍ من الغفلةِ لا يَدرِي رأسَه من رِجلَيه؟ بل هو كما وصف الله قومَ إبراهيمِ؛ إذ أَفحَمهم بحجَّته القاطعةِ حين راغ على آلهتِهم ضربًا باليمينِ، فجَعَلهم جُذَاذًا إلا كبيرًا لهم، فسألوه: أأنتَ فعلتَ هذا بآلهتِنا يا إبراهيم؟ فقال لهم: فاسألُوهم إن كانوا كما زعمتموهم يَستَجِيبون دعاءكم، فيَكشِفُون الضرَّ عنكم، ويَفعَلُون لكم ويَعقِلُون، فهم - في زعمِكم - قادرون أن يُجِيبوا ويَنطِقُوا، أمَّا إذا عقلتم وثُبْتُم إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت