رشدِكم وعرفتم أن اليدَ التي كَسَرت هذه الأخشابَ والأحجارَ هي مثلُ اليدِ التي نحتتها وصوَّرتها على هذه الأشكالِ باسمِ سيِّدكم فلان ووليِّكم فلان، وأن فلانًا وفلانًا هؤلاءِ، لا عَلاقةَ ولا صلةَ لهم بها أصلًا، ولا يَحضُرُونَ عندها، ولا يَقُومُون من قبورِهم للدفاعِ عنها، ولو كان كذلك لمَنَعُوها وحَمَوها من هذا التكسيرِ والإهانةِ والتحقيرِ، فعندئذٍ رَجَعوا إلى أنفسِهم، واستَيقَظ عقلُهم من الغفلةِ، وثَابَت نفوسُهم من مجاهل الضلال والتقليدِ الأعمى للسادة والرؤساء والشيوخ والآباء، فقالوا:
إنكم أنتم الظالمونَ لأنفسِكم بتعظيمِ وتقديسِ هذه الأخشابِ والأحجارِ.
والظالِمون لإبراهيمَ بتسفيهِكم لقولِه الحكيم الرشيد.
والظالِمون لهذه الأخشابِ التي خَلَقها الله ليُصنعَ منها الكراسي والسقوفُ ونحوها، لما يستخدمُه الإنسانُ في منفعتِه، ويسخِّره في حاجتِه، فظلمتُموها بوضعِكم لها في غير الموضع الذي خَلَقها له العليمُ الحكيم، وعطَّلتموها عن عملِها ووظيفتِها التي جعلها الله لها.
فصاحَ بهم السَّدَنَة المستغلُّون للأصنامِ والمقاصيرِ والقبورِ والمَقبُورِين: كيف تصدِّقون هذا الضالَّ السفيهَ، وأَخَذُوا يسبُّون ويَفحُشُون في السبِّ، ويُلِّوحُون لهم برياستِهم، ومشيختِهم، وآبائهم، وشيوخِهم، وجمهورِهم؛ فوقع الناسُ مرَّة ثانيةً تحت تأثيرِهم، وعادوا إلى حظيرةِ تقليدِهم، ثم نُكِسوا على رؤوسِهم؛ أي: عادوا مَنكُوسِين ومعكوسِي الخَلْقِ بهائمَ وأنعامًا مقلِّدة لا تَفقَهُ ولا تَعقِل، بعد أن كانوا قد تنبَّهت إنسانيتُهم بعضَ التنبُّهِ، وبدأت تفهمُ سننَ الله على حقيقتِها، وهكذا الضالُّ غارقٌ في بحرِ الغفلة، كلَّما حاولتْ سنن اللهِ وآياتُه أن تُوقِظَه وتنبِّهَه قَذَفت به أمواجُ التقليدِ بعيدًا في ظلمات الجهل والغفلةِ، وهو مخدوعٌ مغرورٌ، غرَّه شياطينُ الإنس والجنِّ أنه مسلمٌ مؤمنٌ، وأنه مصلٍّ وصائمٌ وحاجٌّ وما إلى ذلك من هذه الأوهام، حتى تَنتَهِيَ به [في] طريق هذا الضلالِ إلى الخسرانِ في الدنيا وفي الآخرة؛ فيتحسَّر ويندمُ ولا ينفعه الندمُ والحسرةُ، وإنما تكونُ زيادةً في شقائه وعذابه.
وما أضلَّت هذه الأصنامُ كثيرًا من الناس لقوَّة ووضوحِ أدلَّتِها وظهورِها عن أدلَّة الحقِّ والتوحيد وإخلاص الدين للهِ ربِّ العالمين، كلاَّ والله، فليس لها أيُّ دليل، ولا يستطيعُ جميعُ