من شياطينِ الإنسِ والجنِّ، الذين يوحِي بعضُهم إلى بعضٍ زخرفَ القول غرورًا، وما هي إلا أوهامٌ وظنونٌ كاذبة، سيَعلَمُون غدًا من الكذَّاب الأَشِر.
فواللهِ، ليس هناك شِبهُ دليلٍ ولا أَثَارةٌ من علمٍ عند هؤلاء الكثيرين من الناس الذين أضلَّتهم الأصنام.
هذا إبراهيمُ أبو الأنبياءِ وإمام الموحِّدين يَخَافُ على نفسِه، فيَدعُو ربَّه في ضراعةٍ وصدقِ لجأٍ أن يجنِّبه وبَنِيه هذه الأصنامَ؛ مدلِّلًا على شدَّة حاجتِه وفقرِه إلى هداية ربِّه وعنايته، وتوفيقه وتسديده؛ بأنها أضلَّت كثيرًا من الناسِ، وهو إنسانٌ كما أن غيرَه إنسانٌ، والشيطانُ عدوُّه له بالمرصادِ، كما أنه عدوٌّ بالمرصادِ لكل الناسِ، فلئن كان إبراهيم - عليه أفضل الصلاة والسلام - يَخَافُ على نفسه، ويلجأ إلى ربِّه أن يَحمِيَه ويبعدَه عن الأصنام مرَّة، وهو مَن هو من الرسالة والهداية والعصمة؛ فأَولى بكلِّ إنسانٍ عاقلٍ أن يخافَ على نفسِه ويَدْعُوَ ربَّه، يلجأ إليه آلاف المرَّات، بل أن يَخَافَ ويَدْعُوَ في كلِّ لحظةٍ وطرفةِ عينٍ دعوةَ إبراهيمِ، وألا يظنَّ أن دعاءَ الغافل المقلِّد ينفعه مثقالَ ذرَّة؛ فإن الله لا يَستَجِيب دعاء الغافلين، ولكن ليعلم ويُوقِن أشدَّ اليقين وآكدَه أنه لا يَنفَعُ دعاؤه ولجؤه إلى اللهِ إلا إذا عَرَف ما يَخَافُ وما يَحذَر وما يُحِبُّ وما يَطلُب، فيَعرِف تمامَ المعرفة أن أصنامَ قومِ إبراهيمَ التي أبغضها إبراهيمُ وعاداها وكسرها، هي هي بعينِها الأصنامُ التي مُلِئت بها البلادُ التي تُنسَب اليومَ إلى الإسلام، وذلَّت لها وعبدَتْها النفوسُ والقلوبُ، التي تزعم اليوم الإسلامَ، وأن تغيُّر الأسماءِ لا يُغيِّر الحقيقة: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] ، وأن التوحيدَ الذي حَرَص عليه إبراهيمُ، والإسلامَ الذي أَمَر ودَعَا إليه إبراهيمُ ومن قبله ومن بعده من الأنبياءِ والمؤمنين - هو التوحيدُ والإسلامُ الذي يسجِّله القرآن اليوم كما تَلاه ودَعَا إليه خاتمُ المرسَلين محمدٌ عبدُ اللهِ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وأَمَر به أبو بكر وعمر وغيرُهما من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين - رضي الله عنهم - وإن قلَّ تَابِعُوه والمتمسِّكون به، وهو الدين الذي مَن ابتَغَى غيرَه ودان بسواه فلن يَقبَلَه الله منه، وهو في الآخرة من الخاسرين، مهما كثر تابعوه ومتَّبِوعوه ومقلِّدوه، وطال الزمان به وبهم، فلن يُغنِي عند الله فتيلًا، وليتدبَّرْ كلُّ عاقل حريص