فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 231

تبًّا لهؤلاء الوثنيين، ما أبعدَ ضلالَهم، وأشدَّ كفرَهم باللهِ وسننه وآياته وكتبه ورسله! وما أشدَّ عداوتَهم للهِ ولرسلِه ولعباده المؤمنين ولأنفسِهم، لو كانوا يعقلون.

ثم هؤلاء الذين اتَّخذوهم آلهة وأربابًا من دون الله ربِّ العالمين، قد كانوا من البشرِ الذين ما جعَل اللهُ لأحدٍ منهم الخُلدَ، وسيِّدهم محمدٌ عبدُ اللهِ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ الله له: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 34، 35] .

ويقول له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 30، 31] .

وسنةُ اللهِ في كل ميِّت من البشر أن يتولَّى الأحياءُ تغسيلَه وتكفينَه، وحملَه ودفنَه، وإهالةَ الترابِ عليه، وإحكامَ سدِّ القبر، وهؤلاء - الذين هم أضلُّ من الأنعام - يَرَونَ ذلك ويُمَارِسُونه بأنفسهم، ثم بعد هذا يكذِّبون عيونَهم وآذانَهم وكلَّ حواسِّهم، ويقولون: إنهم أحياءٌ يَسمَعُون، ويُجِيبون، ويَقضُون حاجاتِ كلِّ مَن سألَهم، وطلب منهم، والله يردُّ عليهم، فيقول: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 195 - 196] .

يقول الله العليم: لقد عطَّل الموتُ منهم أرجلَهم وأيديَهم وأبصارَهم وأسماعَهم، حتى دفنتُموهم في القبورِ، وأَهَلتُم عليهم التراب، وإلا فلقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرصَ الناسِ على الجهادِ في سبيل اللهِ، وأن يَحضُرَ فتوحَ الشامِ ومصرَ والعراقِ وغيرِها مما فتح المسلمون بعد وفاته - بأبي هو وأمي، عليه الصلاة والسلام - ولقد كان أحرصَ الناسِ على جمعِ كلمةِ أصحابِه، وإبعادِ أسبابِ النزاعِ والخلافِ عنهم، ولم يخرج إليهم ليقودَهم كما كان يقودُهم في غزواتِه، ولم يكلِّمهم من قبرِه حين اختَلَفُوا، وأُرِيقَت بسببِ خلافِهم دماءٌ زكيةٌ، كانت جديرةً أن تراقَ في سبيل الله، لا في التنازع على الخلافةِ والحُكم، كل ذلك يَعرِفُه كل واحدٍ من هؤلاء الوثنيين، لكنهم يكذِّبون عقولَهم وأبصارَهم وأسماعَهم؛ لأنهم تجرَّدوا من الإنسانية العاقلة المفكِّرة المميزة، وباعوا أنفسَهم في سوقِ البهيميةِ والتقليدِ الأعمى لأوليائهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت