فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 231

رجلًا وتزوَّج، وكان يذهبُ يَصطَادُ ويمتارُ لأهلِه، وإن إبراهيم كان يأتِي في بعض المرَّات، فلا يَجِدُ ابنَه إسماعيلَ، فيسألُ زوجَ إسماعيل ويَستَخبِر عن حياتها مع زوجِها ومعيشتِهما، فمرَّة لا تعجبُه أخلاق زوجِ ابنِه، فيحمِّلها وصيةً لابنِه أن يفارقَها، فيسمعُ إسماعيلُ لوصيةِ أبيه ويطلِّقها، ويأتي إبراهيم مرَّة أخرى فلا يجد ابنه، فتُعجِبه أخلاقُ زوجِ إسماعيلَ، فيحمِّلها وصيةً لابنه أن يُمسِكَها ويَحرِصَ عليها، ثم يأتِي إبراهيم أخرى، فيجد ابنه تحت دوحةٍ يَبْرِي نبلًا له، فيَتَعانقانِ ويَصنَعَان ما يصنعُ الوالدُ مع الولدِ طال شوقُهما، ثم يقول إبراهيم لابنِه: إن الله أمرنِي أن أَبنِيَ له بيتًا هنا، فهل أنت معاونِي على ذلك؟ فيفرحُ الولدُ لذلك الشرفِ العظيم الذي تفضَّل اللهُ به عليه وعلى أبيه، ويدلُّهما جبريلُ على مكان البيت، ويخطِّط لهما موضعَه، ويقومانِ ببنائه ورفعِ قواعده، في أشدِّ غبطة وسرور بهذه النعمة، وهذا الشرف، ويَدعُوانِ ربَّهما كلما رفعا حجرًا أو وضعاه مكانه من البناء: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 127، 128] - عليهما من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

هذا الذي جاءت الأخبارُ الصادقةُ من الكتابِ والسنَّةِ، التي لا يحومُ حولها أيُّ شكٍّ ولا ريبة، وهذا القدر من الحقِّ هو الذي نحتاجُ اليوم إليه، ويَكفِينا في معرفة هذا البيت المحرَّم وشرفِه، وهو الذي تَقتَضِيه حكمة الله العليم الحكيم.

أما غير ذلك من القصص والأخبار التي يحكيها الأزرقي والمُحِبُّ الطَّبَري وغيرهما من أن البيت نزل من الجنةِ مع آدمَ، وأن الطوفان طمسه، وغير ذلك من الأخبار والروايات، فيشبه - والله أعلم - أن تكون من نسجِ الخيالِ الجاهليِّ وغيره، من الذين تَغلِبهم الأهواءُ والعواطفُ، فيَجْرُون وراءها بدون رويَّة ولا حكمة، فذهبوا يَنسِجُون من هذه الروايات والأساطير ما يُملِي عليهم غلوُّهم كما أَملَى عليهم في غير البيت المحرَّم، وخدع بهم وبأساطيرِهم أمثالَهم من المتأخِّرين من مؤرِّخين ومفسِّرين وغيرهم، وتَبِعهم الجماهير والدَّهماءُ، فتاهوا في مفازاتٍ لا آخرَ لها من هذه الأوهام والأساطير.

وبيتُ الله المحرَّم غَنِيٌّ عن كل ذلك؛ فإنه ما وَضَع ولا رَفَع قواعدَه إبراهيمُ وإسماعيلُ ليعظَّم البناءُ والحجرُ، ويقدَّس تقديسَ العبادةِ للأحجارِ والأمكنةِ؛ فإن هذا هو الشرك والوثنية التي دعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت