إبراهيمُ ربَّه أن يجنِّبه وبَنِيه عبادتَها، وهي التي أمر الله خليلَه إبراهيمَ أن يطهِّره من أرجاسِها، ويبعدَها عنه كل البعد، وإنما وُضِع البيتُ ورُفِعت قواعدُه ليُعبَدَ اللهُ وحدَه عنده بالطواف والركوع والسجود والعكوف، توجهًا إلى اللهِ، وإخلاصًا لعبادتِه وحدَه، مع الإيمانِ بأنه حجرٌ ككلِّ الأحجارِ التي تُنحَت وتُبنَى بها كل البيوت، كما قال ذلك المؤمنُ الصادقُ الإيمانِ المعظِّم للبيت كلَّ التعظيم عمرُ بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في الحجر الأسودِ الذي لا يُقَبَّل في البيت المحرَّم مكانٌ سواه:"إنِي لأعلمُ أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ".
ولقد كانت قريشٌ الوثنيةُ تعبدُ هذا البيتَ وتقدِّس حجارتَه تقديسَ عبادةٍ، بما أوحى إليها الشيطانُ من التماسِ البركةِ من حجارته وحصاه وترابِه وأركانِه، كما كانت تعبدُ ما اتَّخذت لأوليائها ومن زعمتهم صالحين ومقرَّبين عند الله؛ من صورٍ وتماثيلَ أقامتها حول الكعبة وفي جوفها، حتى لقد اتَّخذت لإبراهيمَ وإسماعيلَ وكبشِ الفداءِ أصنامًا كذلك في جوف الكعبة، قدَّستها وعبدتها، واعتقدت فيها السرَّ والبركةَ وأنواعَ الشفاءِ من العللِ والأمراضِ.
وهي تزعمُ أنها بتلك الوثنيةِ تعظِّم البيت المحرَّم وتشرِّفه وتَعمُره، وأنها على دينِ إبراهيم ومِلَّته الحنيفية، وآيةُ ذلك عندها أنها تحبُّ إبراهيم وتعظِّمه وتقدِّسه بما اتَّخذت له من هذا الصنم العظيم عندها، القَذِر المَهِين عند الله، وعند أنبيائه ورسله، وكل مؤمن بآيات الله ورسله، وما زالت على هذه الوثنيةِ القَذِرة حتى بعث اللهُ رسولَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، فمنعته من أن يُعِيد للبيت المحرَّم شيئًا من طُهْرِه وقداستِه الحقَّة، بإرجاعِه إلى سنة الله، وإلى ملة إبراهيم، للطائفين والقائمين والركَّع السجود لله وحده، حتى فتح اللهُ مكَّة في السنة الثامنة من الهجرة، وطهَّره وَارِثُ إبراهيمَ، وأَرجَعه إلى سنتِه الحنيفية السمحة، بعيدًا عن كل ما يُشَمُّ منه رائحةُ الشركِ وخرافات الوثنية النجسة.
بعد أن طهَّر الله به - صلى الله عليه وسلم - القلوبَ من نجسِ هذه الوثنية، ورسَّخ قواعدَ التوحيدِ حتى أَيِس الشيطانُ أن يعبدَه هؤلاءِ [1] الذين رسخت قواعدُ التوحيد في قلوبِهم على
(1) أخرجه مسلم برقم (2812) من حديث جابر قال:"سَمِعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن الشيطان قد أَيِس أن يعبدَه المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريشِ بينهم ) )، ش: (( ولكن في التحريش بينهم ) )؛ أي: ولكنه يسعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن وغيرها."