هدًى وبيِّنة من ربِّهم، وأَيِس أن يُرجِعَهم إلى الوثنيةِ وعبادتِه كما كانت قريشٌ ومَن حولها في الجزيرة يعبدونه، فانخنس بعيدًا عن هذه الناحية، وأخذ يحرِّشُ بينهم فيما يفتنُهم الله به ويَبتَلِيهم بما يَفتَحُ عليهم من الدنيا، فيَسْلَمُون من تحريشِه مرَّة؛ لأنهم يردُّون أمرَ ما اختلفوا فيه إلى الله وإلى رسوله، وينالُ منهم أخرى حين يرجِعُون فيما يَختَلِفُون فيه إلى غير الله ورسولِه، وما زال العدوُّ المُبِين يعملُ دائبًا على إطفاءِ نور الكتاب والسنة من قلوبهم شيئًا فشيئًا حتى عادوا اليوم سيرةَ الجاهليةِ الأولى حذوَ النعلِ بالنعلِ، ورَجَعوا يقدِّسون الأحجارَ، والرجومَ، والأمكنةَ، والبقاعَ، والحبرَ، والقِرْطَاس، والقماش، والموتى، تقديسَ العبادةِ، فيَلتَمِسُون منها ما الجاهليون يلتمسون، مما يزعمونه بركاتٍ، ويَعتَقِدُون ما كانوا يَعتَقِدُون، ويصنعون ما كانوا يصنعون، وهم يزعمون - أو على الأصح يزعم لهم شياطينُهم - أنهم بذلك الشركِ وتلك الوثنيةِ القذرة يعظِّمون بيتَ الله المحرَّم، وكتبَه، وأنبياءه، وعبادَه الصالحين.
حتى فواحش الجاهلية لم ينسَ الشيطانُ أن يُعِيدَها في جاهليةِ اليوم، فكم ترى في المطافِ من نساءٍ متهتِّكاتٍ قد احتَضَنهنَّ شياطينُ يطوِّفونَهنَّ ويُلَقِّنونَهنَّ - بزعمِهم الفاجر - أدعيةً يناجِين بها ربَّ العالمين - سبحانه عن ذلك - وكم تسمعُ في البلاد التي تزعم أنها إسلاميةٌ من فواجرَ يَرفَعن أصواتَهن الفاجرةَ بما يسمُّونه أغانِي الحجِّ، وهي ما بين شركٍ شنيعٍ وكلامٍ قذِرٍ سخيفٍ، فهذه تَنعِق: يا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صُنْ حجَّاجك، وذاك يَنبَحُ: الصبايا الحلوة، وغير ذلك كثير وكثير جدًّا مما تَنشُره محطَّات الإذاعةِ، لا أقال الله عثرتَها، ولا أطال حياتَها الفاجرةَ الكافرةَ، وهم بهذا الكفرِ والفسوقِ والفواحشِ يَزعُمونَ أنهم يَدعُون إلى تعظيمِ بيت الله المحرَّم ومشاعرِه ومناسكِه، خابوا وخَسِروا، وضلُّوا ضلالًا بعيدًا، والويل كل الويل لمن يَعرِف الحقَّ ويَهدِيه الله له فيَدعُوهم إليه، ويَرفَع صوتَه ليَرُدَّهم عن جاهليتِهم إلى ما كان عليه إبراهيمُ وإسماعيلُ ومحمدٌ عباد الله ورسله - عليهم أفضل الصلاة والسلام: إنه لا يُدعَى ولا يُعرَف إلا بالكافرِ المارِق، المحقِّر لبيت الله وكتبِ الله وأنبيائه وعباده الصالحين.
ولكنَّ داعيَ الحقِّ لا يعبأ شيئًا بهؤلاء الجاهلين المقلِّدين الغافلين، ولا يُقِيم لهم وزنًا، ولا لما به يهدِّدون ويتوعَّدون؛ فمكرُهم السيِّئ لا يَحِيق إلا بهم، وهو مؤمنٌ بحقِّه وثابتٌ عليه، وهو