فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 231

[1] • وفي قولِه: {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 37] ؛ إعلانُ إبراهيمَ - عليه السلام - ذاكرًا أبدًا ربوبيةَ ربِّه الكريم العليم والرحيم، وذاكرًا أصناف ما يتعهَّده به من ألوانِ التربية الحسيَّة والمعنويَّة والجسميَّة والعلميَّة، وأنه إنما يحيا ويَعِيشُ عليها وبها في كل ذرةٍ وطرفةِ عينٍ من حياته، وأن هذه الربوبية الكريمة الحكيمة الرحيمة، هي التي بلَغ بها وبفضلِها وبأنواعِ تربيتِها ما بلَغ من العلمِ والهدى والإيمان، والشرف وسموِّ المنزلةِ، وقرة العين بهذه الذرية الصالحة المصلِحة، فهو لذلك يكرِّر: {رَبَّنَا} يا ربِّ وربَّ كلِّ شيءٍ ومليكَه ومربِّيَه، برحمتِك وفضلِك وإحسانك: إني ما أسكنتُ هؤلاء من ذريَّتِي عند بيتِك المحرَّم إلا ليُقِيموا الصلاةَ، فتكون صلتُهم بك وثيقةً.

• و"الإقامة": مِن أقام العودَ؛ أي: قوَّمه من اعوجاجه، فاستقام واعتَدَل.

ومِن قامت السوق؛ أي: نَفَق ما يُعرَض فيها من السلع، فكثُر البيع فيها والشراء.

ومِن قام بالأمر، إذا جدَّ فيه، وشمَّر له عن ساعد الجدِّ والاهتمام، وحفظه ورعاه، وكل هذه المعاني مأخوذةٌ وملحوظةٌ في إقامة الصلاةِ.

• و"الصلاة": هي صلةُ المحبَّة والإيمان بالله، وهي الوصلةُ والمنحةُ والعطيَّة الكريمة التي يصلُ الله بها مَن أحبَّه واصطفاه، فمَن رَضِي بالله ربًّا مقدِّرًا ربوبيتَه - سبحانه - وتربيته له قدرَها، شاهدًا من نفسه، ومن كلِّ ما حوله في السموات والأرض؛ آثارَ هذه التربيةِ، وقهرَها، ورحمتَها، وحكمتَها - فهو لا بدَّ أن يَنْعطِف قلبُه بكليَّته إلى محبةِ هذا الرب الكريم أعظم محبة، وأن يَذِلَّ ويَخضَع له أعظم الذلِّ والخضوع، لعل هنا سقطًا، والمخوف المرهوب لما يوقِع من أنواعِ عقابه، ويعذِّب بصنوفِ عذابِه، ومَن شَهِد ذلك الشهود استقام، وقوَّم قلبَه ونفسَه وطريقه على ما يحبُّ هذا الرب ويَرضَى، وداوَمَ على المثولِ بحضرتِه - سبحانه - في المواعيد التي حدَّدها ووقَّتها لأصفيائه، الذين يؤمنون بأنهم في أشدِّ الفقر والحاجة إليه.

(1) تتمة بحث العدد الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت