وهو الغَنِيُّ بكلِّ أنواع الغِنَى عنهم، وعن الذين يُؤمِنُون بأنهم في أشدِّ الفقر والحاجة إليه، وهو الغني بكل أنواع الغنى عنهم وعن عبادتِهم؛ فهو الربُّ المربِّي لكلِّ العالَمين وإن كَفَر به الجميع، وهو الربُّ القاهر بربوبيتِه العالَمين، وإن زعم الجميع أنهم مستكبرون عليه.
وهو الربُّ المربِّي لكل العالَمين بميزانِ العدل والقسط؛ إن آمنوا لا يزدْ في ربوبيته، وإن كفروا لا ينقصْ من ربوبيته - سبحانه - كفرُهم.
وهو الربُّ الكريم الجميل، الذي لا يكون منه - سبحانه - إلا الجميلُ، الذي يدعو كلُّ شيءٍ في الوجود بأرفعِ صوتٍ إلى حمدِه والثناء عليه، وذكرِه وشكرِه - سبحانه.
وأبرز الأعمالِ وأعظمُها أداءً لهذا الحمدِ والثناءِ الجميل هو هذه الصلاةُ، التي هي أعظمُ وأوثقُ الصلاتِ بالله، للمؤمنين الخاشعين المُخبِتِين، الذين هم على صَلاتهم دائمون.
فإقامة الصلاة: أداؤها على الوجهِ الذي أحبَّه الله ورَضِيه لصفوة رسله وخيرتِه من خَلقه، وعلَّمهم إيَّاها في أوقاتِها ومواعيدِها التي حدَّدها لهم، فليس كلُّ حركةٍ وقيامٍ وركوعٍ وسجودٍ، ولا كلُّ قولٍ ودعاءٍ؛ يكون صلاةً، وإن زعمه الغافلون المقلِّدون من كلِّ أمَّة، وفي كلِّ زمنٍ وبلدٍ صلاةً، إنما الصلاةُ هي التي يَشهَد المصلِّي نفسَه فيها وراء نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - مقتديًا به في كل عمله، مهتديًا بنورِ هداه، وقد قام يُنَاجِي ربَّه، ويسألُه كلَّ حاجة، ويَعرِضُ عليه دخائل نفسِه وقلبِه، ويشكو إليه عيوبَه ونقائصَه وأمراضَه، وظلمَه لنفسِه، وعجزَه وتقصيرَه، ويَرجُوه المعونةَ والهدايةَ، والتوفيق والتسديد، والعفوَ والعافية، هذه هي الصلاة، ولن تكون هذه بما يزعمُه الأغبياء من التقليد الأعمى لقول فلان ومذهب فلان، مهما عدَّدوا لها من الشروط والوساوس؛ فلقد أفسدَ هذا التقليدُ كلَّ دينِهم، وقذَّر كلَّ عملِهم، وسوَّد قلوبَهم، وأمات نفوسَهم، حتى رأوا شرائعَ الله وعبادتَه عقوباتٍ قاسيةً، وتكاليفَ شاقَّةً؛ إذ يقولون في كتبهم: إن السكرانَ الذي دام سُكرُه حتى ضيَّع صلواتٍ عدَّة، لا بدَّ أن يَقضِيَها ولا نُعفِيه منها؛ تغليظًا عليه في العقوبةِ، أما الكافرُ إذا أسلم، فلا تطلبْ إليه قضاءَ ما فاته من الصلوات أيامَ كفرِه؛ لأن ذلك تنفيرٌ له عن الإسلام.