{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
يقرِّر إبراهيم - عليه السلام - ويكرِّر شهادةَ الحقِّ التي قام عنده عليها كلُّ الآياتِ في نفسِه وفي الآفاقِ: أن ربَّه ربَّ العالَمين وَسِع كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، فهو - سبحانه - يعلمُ كلَّ ما يَخفَى، مما تهجس به نفسه، ويخطر في بالِه من كلِّ الحركات الإرادية التي يتحرَّك بها الفؤاد، وتجمعُها الذاكرةُ، وتحفظُها الحافظةُ، وتتواردُ بها خواطرُ نفسِه الإنسانية بكل شؤونها وحاجاتِها لليلِ والنهارِ، وللدنيا وللآخرةِ، ومن كلِّ ما تعيشُ به النفس البشرية من مادَّة حياتِها في طعامِها وشرابِها، ومجاري ذلك كلِّه، وفي الشرايينِ والأوردة، والأعصاب والعظام، والمخ والشعر والجلد، وتحلُّل الطعام والشراب والهواء، على موادَّ حيَّةٍ تعوِّض ما يموت ويتحلَّل من الجسم بالحركةِ والنشاطِ في العمل بالليلِ والنهارِ، يعلمُ ربُّنا كلَّ ما خَفِي من كلِّ ذلك وما عَلَن من أقوالٍ وحركاتٍ وأعمالٍ، ويُحصِيها علينا أدقَّ إحصاءٍ، بل يسجِّلها بصورِها وهيئاتِها كما هي، ثم ينبِّئنا بها يومَ القيامةِ؛ لنَقضِيَ بها على أنفسِنا:
{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] .
{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] .
فيا عجبًا كيف يظلمُ الإنسانُ نفسَه بجهلِه وغرورِه وغباوتِه؟ فيظن أنَّ اللهَ يخفَى عليه شيءٌ من قولِه وعملِه وعقيدتِه وحركاتِ قلبِه، وأهوائه وشهواته؛ فيَجتَرِئ على الكفر بالله، واتِّخاذ الأنداد من دونه، يقدِّسهم ويعظِّمهم، وينسكُ لهم أنواعَ المناسكِ المالية، والجسمية، زمانية ومكانية، ويَجتَرِئ على الفسوق والعصيان، وانتهاكِ حرماتِ الله، والسعيِ في الأرضِ بأنواع الفساد، ثم ظنَّ هذا الظالِم الجهولُ أن هذا يَخفَى على ربِّه تحت أستارِ الكذب والزور والبهتان؛ إذ يسمِّي نفسه مسلمًا، ويزعم أن ما يلوكُ بلسانِه من الدعاوى التي يكذِّبها عملُه وحالُه وعقيدتُه، وما يَأتِيه من التقاليدِ والحركات الآليةِ، جاهلًا غافلًا، مخدوعًا بأنه يسمِّيها عبادةً وإسلامًا - يزعُم هذا الظالِم الغافِلُ أن هذه الأستارَ من الباطلِ تُخفِي على اللهِ حقيقةَ