كفرِه وشِركه، وفسوقِه وعصيانِه، وإثمه وعداونِه، وأن هذه الصورَ المزخرفةَ والدهانَ المزوَّق يغطِّي عن العليم الخبير ما انطَوَت عليه النفوسُ من ظلماتِ البغي والفسادِ، وما انصَبَغت به القلوبُ من قذارةِ الوثنيةِ وأرجاسِ الشركِ، وما كفِّنت به الإنسانيةُ من أكفانِ الجهل والتقليدِ الأعمى، والمسارعة إلى طاعة الشيطانِ في كلِّ ما يدعو إليه ويُمَنِّي به من الغرورِ وسوءِ الظنِّ باللهِ اللطيف الخبير.
يا سبحان الله، ما أشدَّ ظلمَ الإنسانِ لنفسِه حين غرَّه بالله الغَرورُ! فزَعَم لنفسِه، وزَعَم له شياطينُه أن الله يَخفَى عليه كلُّ ذلك من خبائثِه ونجسه؛ لأنه غطَّاه بتلك القشور الرقيقةِ من الأسماء والدعاوى الكاذبةِ الفاجرةِ: {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 38] .
{إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16] .
وكيف يَخفَى على اللهِ شيءٌ من ذلك، دقُّه وجُلُّه، وهو الذي خَلَق وأبدع وصوَّر؟ هو الذي جَمَع ذرَّات الإنسانِ وضمَّها إلى بعضها، وركَّبها ثم صوَّر منها هذا الإنسانَ، ونَفَخ فيه من رُوحِه، وجعل له السمعَ والبصرَ والفؤاد؛ لعله يَعرِف ذلك فيشكره، ولكن أكثرَ الناس لا يعقلون ولا يشكرون، فزَعَمُوا أن اللهَ يَخفَى عليه من أمرِهم ما يريدون إخفاءَه وسترَه، بل لقد زَادُوا في الغباءِ والكفرِ، فزعموا أن الله يَخفَى عليه من أمرِهم ما يريدون أن يعلمَه، ولكنه لا يعلمُه إلا بواسطةِ أوليائهم، الذين اتخذوهم شفعاء وعبدوهم من قلوبٍ صادقةٍ في الشرك؛ ليقرِّبوهم إلى الله زلفى، بل زادوا - والويل كل الويل لهم - إذ زَعَمُوا أن أولياءهم ومعبوداتِهم من نورِ الله، وأن هذا النورَ انفَصَل بطريقةٍ سريَّةٍ عن الله؛ فكانوا سرَّ السرِّ، وكانوا أهلَ اللهِ وآلَ اللهِ، فهم عندهم أبناءُ اللهِ: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] .
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا