وبرَّأ الله الإسلامَ دينَ إبراهيمَ وموسى وعيسى ومحمدٍ، بل وجميعِ الأنبياءِ - عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام - من هذا الكفرِ والوثنيةِ: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] .
ثم يذكر إبراهيمُ ما أسدى إليه ربُّه من جميل فضلِه، وما أنعم عليه من نعمِه، ويُثنِي عليه بما هو له - سبحانه - أهلٌ، فيقول:
• {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .
فهو يَعرِف لربِّه فضلَه، وأنه وحدَه بإحسانِه وكرمِه، هو الذي وَهَب له إسماعيل وإسحاق النبيَّينِ الكريمين في سن الشيخوخة، التي لم تَجْرِ العادةُ أن يكونَ منها نسلٌ؛ لما نالها من الضعفِ والوَهَنِ، ولكنَّ الله خَرَق له هذه العادةَ؛ استجابةً لدعائه، ومكافأةً له - عليه السلام - على جهادِه وصبرِه وإيمانِه وإخلاصِه، الذي حَمَله على أشقِّ الأمورِ؛ فكانت عليه يسيرةً، وسلك به أضيقَ المسالكِ، فكانت عنده أرحبَ الطرقِ وأسعدَها، فاعتزل أباه وأهلَه بعد أن كادهم أعظمَ الكيدِ بتكسيرِ آلهتِهم، والتنكيلِ الشديدِ بأوليائهم ومقدَّسيهم وسادتِهم، الذين كانوا يَطُوفُون حولَ أنصابِهم، ويَلتَمِسُون البركةَ من رجومِهم وأنصابِهم وتماثيلِهم، ثم نَجَح أعظمَ النجاحِ فيما ابتلاه ربُّه من أعظمِ البلاءِ بذبحِ ولدِه وحيدِه إسماعيلَ؛ فكان من أعظم المحسنين: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم: 49، 50] .
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 106 - 113] .
وشتَّان بين قول عبدِ اللهِ وخليلِه إبراهيمَ، الذي يؤمِن بربِّه أصدقَ الإيمان، وبين حُماة الشرك والوثنية، ويسمُّونها - قبَّحهم الله وأخزاهم - إسلامًا، فيَزعُمُون أن الكثيرَ من أولادِهم مَاتُوا؛