ويقال هذا الظلم: فيما يقلُّ ويَكثُر من التجاوز؛ اهـ من ابن جرير، ومفردات الراغب، والقاموس.
• {تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} : يقال: شَخَص الرجلُ بصرَه، وشَخَص البصر: إذا سَمَا وطمح؛ أي: شُدَّت جفونُه لا تَطرِف، وجَمَدت حَدَقتاه فلا تتحرَّكان لشدَّة ما فجأه وبغَته من الهولِ والمخاوف، التي أَذهلتْه وذَهَبت بلُبِّه، وشلَّت حركة تفكيره.
• و"المُهطِع": المنطلِق مسرعًا وراء مَن يَهتِف به، ذليلًا خاشعًا، كالأسير المقهور، مسلوب الإرادةِ والاختيار، فهو ينطلق إلى الداعي بحركة جذبٍ مغناطيسية وراء مَن هَتَف به في غير وعي ولا شعور.
• {مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ} : مرفوعة وجوهُهم إلى السماءِ مثبَّتة، لا يَقدِرُون أن يحرِّكوا رؤوسهم حركتَها الطبيعيةَ المعتادةَ في السليم المعافَى، فلا يَستَطِيعون أن يَنظُروا عن يمينِهم ولا شمالِهم نظرًا طبيعيًّا؛ لأن أعصابَهم جفَّت وتقلَّصت من شدَّة ما فجأهم من هولِ ما طَلَع عليهم، على خلاف ما كانوا يَحتَسِبون، فذَهَبت رؤوسُهم بهذا التقلُّص والجَفَاف في الأعصابِ إلى الخلف، وانقلبت على هذا الوضع البشع، فهم لذلك:
• {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} : لا يَرجِع إليهم بصرُهم مطلقًا؛ لأن ارتدادَ الطرفِ ورجوعَه إنما يكونُ عن إرسالِه أولًا بحركةٍ اختياريةٍ وتفكُّر يَبعَثُ النظرَ للكشفِ والاستطلاعِ، وهم قد فَقَدوا ذلك، وتعطَّلت فيهم كلُّ أسبابِ التعقُّل والتفكيرِ التي تبعثُ النظرَ رائدًا، ثم تُعِيده بما اكتشف وما استطلع من مرئيات.
وكيف يكون عندهم أيُّ سببٍ من أسباب إرسال النظر؟
وكيف يكون لهم أيُّ قوَّة من قوى التفكر والتعقُّل؟
• {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} : والحالُ التي هم بها تُشبِه حال مَن طَلَع عليهم، وفجأهم مما لم يكونوا يَحتَسِبُون، قد أطارت لبَّهم، فبَقُوا في صورِ الإنسانِ، وأجوافُهم فارغةٌ خاويةٌ، على مثالِ قشورِ الفاكهة أو الجوز، حين خَلَت من لبِّها وحقيقتِها، التي كانت تستحق أن تسمَّى باسمِها من الفاكهة والجوز مثلًا.