فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 231

فالأفئدةُ فارغة، ٌ لا عقلَ ولا تفكُّر فيها، والأبصارُ شاخصةٌ مسمَّرة معطَّلة، مما أحاطها من الهولِ الذي حيَّرهم وأَدهَشَهم، فلا يَقدِرُون أن يفكِّروا في طريقِ الخلاص والفرار مما وَقَع بهم، ذلك جزاؤهم من الحكيمِ العليم؛ لأنهم كَفَروا بآياتِه وسننِه في أنفسهم، وفي الآفاقِ، فعطَّلوا قلوبَهم عن الفقهِ للحقائق، وأعينَهم عن رؤيةِ الأشياء على حقيقتها، وأسماعَهم عن استماعِ القول مجرَّدًا عما لبس به وزُخرِف من باطلٍ، فذَهَبوا بالغفلة والتقليد الأعمى، والأوهام والخرافات يَضْرِبون به بيداءَ الشركِ والضلالِ والفسوق والعصيان، كالأنعام، بل أضل من الأنعامِ سبيلًا.

وهم يزعمون أنهم المؤمنون المسلمون الصالحون، وأنهم بدينِهم التقليدي الجاهلي الوثني الخرافي أقربُ الناسِ إلى رضوانِ الله، وأحقُّهم بجنتِه ومغفرتِه، فهم لذلك يَحسَبُون أنهم يُحسِنُون صنعًا؛ وما ربك بظلام للعبيد.

• و"الفؤادُ الهواءُ": الشديدُ الفراغِ من اللبِّ، الذي لم يبقَ منه إلا صورةُ الظاهر والقشور من اللحم والشكل الحيواني، كما قال الله - تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} [القصص: 10] ، من شدَّة ما استولَى عليها من الخوفِ والفزعِ على حياة ولدِها موسى، حين أَلقَت به في غمرةِ اليمِّ، الذي لا يُستَقَى منه، ولا يُسبَح فيه، ولا تَجري سفنُه إلا بألدِّ أعداءِ ذلك الوليد موسى.

والعرب تسمِّي كلَّ خالٍ: هواءً، يقولون: بيتٌ هواء، إذا كان خاليًا من الساكن، قفرًا من المتاعِ والقاطن، فأصبح كهواءٍ ما بين السماء والأرض؛ ولهذا المعنى قالوا للجبَّان: مجوَّف هواء، يَعنُون: لا قلبَ له يُمسِكُه ويثبِّته عند الحوادث.

ومن ذلك قولُ حسَّان بن ثابت يصف أبا سفيانَ بالجُبْنِ:

أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي = فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ

يتحدَّث الله - جل ثناؤه - في هذه السورةِ عن الذين كفروا، وقالوا لرسلِهم: لنخرجنَّكم من أرضِنا لما جئتُم من دينٍ تُحَاوِلُون به أن تَصرِفُونا عن الدينِ الذي نَعتَقِد أنه أَصلَحُ دينٍ وأحبُّه إلى الله؛ لأنَّا وَرِثنَاه عن آبائنا، وتلقَّيناه تقليدًا لشيوخِنا وسادتِنا وكُبَرائنا، وتُحَاوِلُون أن تشكِّكوا في آبائنا وشيوخنا، ونحن نقدِّسهم من كلِّ قلوبِنا، ونعتقد أنهم لا يُخطِئون طريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت