الحقِّ، ولا يُمكِن أن يَضِلَّ أولئك الآباءُ والشيوخُ طولَ هذه القرونِ السبيلَ، وهم الجمهورُ والكثرةُ الكاثرة، يلقِّن كلُّ جيلٍ منهم الجيلَ الذي يأتِي بعده، وما يَزِيدُون الدينَ إلا تحسينًا وتيسيرًا على الناس.
فنحن حرصاءُ أشدَّ الحرصِ على ما وَرِثنا من دينِهم وتقاليدِهم وعاداتِهم؛ فهم لذلك يَعمَلُون جاهدين أن يُطفِئُوا نورَ اللهِ، ويُعِيدُوا المرسَلين إلى ملَّة الآباءِ والشيوخِ والسادةِ والرؤساءِ، وقد اشتدَّ الأمرُ على المرسَلين، وبلَغ منهم أذى أعدائهم كلَّ مبلغٍ، ورسل الله ثابتون بما يثبِّتهم الله بالقول الثابتِ، حتى أَوحَى إليهم ربُّهم:"لنُهلِكنَّ الظالمين"، فأهلكَهم، ثم أسكن الرسلَ وأتباعَهم مساكنَهم، فلما مات الرسلُ، وطال الأمدُ على أتباعِهم خَدَعهم الشيطانُ الذي خَدَع الظالِمين من قبلِهم، وفَتَح عليهم أبوابَ الابتداعِ في دين المرسَلين، والتحوير، والزيادة، باسم التجميلِ والتحسينِ، وتقريبِ الطريق إلى ربِّهم، والغلوِّ في إطراءِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وآلِه، وفي الشيوخ والسادة، باسم الحبِّ والتعظيم حتَّى أبعدهم عن شِرْعَةِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكتابِه وهداه، وقيَّدهم بسلاسلِ التقليد الأعمى، بعد أن ضرَب على قلوبِهم سُرَادِقَ الغفلةِ والجهلِ بآياتِ الله وسننه وكتبه وهَدْي رسلِه، فأخذوا يَلتَقِطُون ما زَعَمه لهم الشيطانُ دينًا من مزابلِ الآراءِ والأوهامِ والخرافاتِ والتقاليدِ، حتى ملؤوا أيديَهم من هذه القذارات التي سَمَّاها لهم بأسماءٍ مزخرَفةٍ منتزَعةٍ من الحقِّ والهُدَى الذي غَفَلوا عنه وتنكَّبوه؛ فخَلَعوا هذه الأسماءَ على هذه الحُثَالات والزبالاتِ القذرة، وحَسِبُوها - ببَلادتِهم وتقليدِهم الأعمى - دينًا، فيه من هذه الزبالاتِ الوثنية القذرة، وبين ثمراتِ الدين القيِّم الذي جاء به رسلُ الله رحمةً من اللهِ وبشرى للمحسنين؛ إذ هم لا يَجنُون من شجرةِ دينِهم الحديثِ إلا كلَّ الخبائث في العقائد والأعمال والأقوال والأحوال، يُذِيقُهم اللهُ بها كلَّ يومٍ ألوانَ الذلِّ والشقاءِ على يدِ مَن يسلِّط عليهم من أعدائهم، وصنوفَ العذابِ الذي يَبعَثُه الله عليهم من فوقِهم ومن تحت أرجلِهم، وضروبَ البؤسِ التي حاقت بهم، مما ألبسهم الله بأكوامِ زبالات الغفلةِ والسفهِ والرُّعُونات والتقليد، التي تفرَّقوا بها شِيعًا متنافرة متطاحنةً، حتى كان بأسُهم بينهم شديدًا، تَحسَبُهم جميعًا وقلوبُهم شتَّى، أشدَّاءُ غلاظُ القلوبِ أقسى الغلظةِ على بعضِهم وبَنِي وطنِهم ودينِهم، ضعفاءُ مُتهالِكُون ليس فيهم أيُّ تماسك ولا قوة شخصية أمام عدوِّهم،