ثم ذكر الله أن هؤلاءِ المقلِّدين قد بدَّلوا نعمةَ اللهِ في سمعِهم وأبصارِهم وأفئدتِهم، وكلّ ما أحاطهم به الحكيمُ العليمُ بين السماء والأرض من أسباب الهدى والسعادة، ومن نعمه المتتالية التي لا يقدرون على عدها وإحصائها - بدَّلوه كفرًا، فأحلوا أنفسَهم وقومَهم دارَ البوارِ، وأنهم إنما كَفَروا بكلِّ ذلك بظلمِهم لأنفسِهم، وانتقاصِهم لها بسلخِها من هذه النعمِ، وقتلِها في الآيات الكونية، ولم يتدبَّروا الآيات العلمية.
ثم ذكرها بما أَسبَغ على عبدِه وخليلِه إبراهيم - عليه أفضل الصلاة والسلام - وهم يزعمون أنهم أبناؤه وذريَّته، وأنهم يتشرَّفون بالانتساب إليه، وبيَّن لهم أوضحَ بيانٍ ما كان عليه إبراهيم من الحياة القويَّة، واليقظة الدائمة التي عَرَّفته فضلَ الربِّ - سبحانه - وسوابغَ نعمِه؛ فقدرها وشكرها حقَّ الشكرِ بوضع كلِّ حقٍّ منها في موضعِه الذي يُحبُّه الربُّ - سبحانه - فزاده الله فضلًا على فضلٍ، وهدًى على هدًى، وعرَّفهم اللهُ أن إبراهيمَ هو ابن آزرَ أشدِّ الكافرين كفرًا، وأبعدِهم ارتكاسًا في مستقرِّ نجاسات الوثنية القذرة، ومع ذلك لم يُصِبْ إبراهيمَ منه ولا رشاشٌ، ولم تَمنَعه بنوَّته لآزرَ أن يكونَ بهذه المكانة السامية الرفيعة من الهدى والإيمانِ؛ لأنه لم يكن من المقلِّدين، ولم تَنفَع آزرَ أبويَّتُه لإبراهيم شيئًا؛ لأنه كان مغلولًا بأغلالِ التقليد الأعمى للآباء والشيوخ والرؤساء.
ثم يقول الله العليم الحكيم: لا تَحسَب يا مَن ظَلَمت نفسَك فجرَّدتها من نعمِ الإنسانية العاقلة الكريمة، وطرحتا بهما قذرًا تحت مزابلِ التقليد الأعمى، فتجاوزتَ بذلك كل حدٍّ، وأبطلتَ في نفسِك كلَّ حقائقِ الوجود، ووقعتَ بغفلتِك صريعًا لإبليس وحزبِه، تغيِّر بأمرِهم خَلقَ اللهِ، وتبدِّل سننَه، وتَهدِم بمِعْوَلِ التقليد آياتِه الكونيةَ والعلميةَ؛ فانفصلتَ أتَمَّ الانفصالِ عن الحقِّ في نفسك، وعن الحقِّ في كلِّ ما حولك، دِنْتَ بجهلِك بعقيدتِك الوثنيةِ في الأحجارِ والأشجار والموتى، وكلِّ مادَّة صمَّاءَ قد سخَّرها الله لك بنعمته، واتَّخذت منها إلهًا يعبدُه قلبُك بأنواعِ الذلِّ والخضوع والجمادات من قرابين، وما تقيمُ لها من مناسكَ، وما تعطي من نفسِك ومالِك لهؤلاء المؤلَّهِين، مما تَبخَلُ به أشدَّ البخلِ على اللهِ ربِّ العالمين، وذهبتَ - أيها الظالِمُ لنفسِك الطيِّبة - تطلبُها بأنواعِ الفسوقِ والمجونِ وانتهاكِ الحرماتِ، وتجاهرُ بذلك وتعلنُه بأشدِّ ما تَقدِر عليه من الإعلانِ بما تنشرُ في الصحفِ من صورِ حفلاتِك المتهتِّكة الداعرةِ، وما تُذِيع