بالمِذْيَاع من العَهَرِ والفجورِ تُعلِن به في الخافقين أنك من أمهرِ الفجرةِ في الدعوة إلى الزنا والفسوقِ والتحلُّل من كل أدب وخُلق، ولعلك تتمنَّى أن لو يصل صوتُ مِذياعِك، وصورُ لياليكَ الحمراءِ إلى ملائكةِ السماءِ.
ألا فاعلم أنها قد وَصَلت وبَلَغت، ونزل من السماءِ ما أنت فيه من المقتِ واللعنةِ والخيبةِ الملازمة لك في كل طريق تَسلُكه، والخسران في كلِّ عملٍ تتناوله.
وإن كنتَ تزعُم أنك لا تَشعُر اليوم بذلك، فعمَّا قريبٍ ستعلمُه، يوم يَأتِيكَ العذابُ، فتَقولُ: ربِّ ارجعونِ، فلا تُجَابُ إلا بشدَّة النكالِ: إنك اليوم تظنُّ أن ربَّك غافلٌ كغفلتِك، وساهٍ كسَهْوِك، ولاهٍ كلَهْوِك، ومضيِّع الرقابة وإحكام التدبيرِ كما أنت مضيِّع، وأنه خلَق السمواتِ والأرضَ باطلًا، ذلك ظنُّ الذين غَفَلوا ولَهُوا فكفروا؛ فويلٌ للذين كفروا من النارِ، والله لا تَغِيب عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماء.
إلا أني لا آتيكَ بجديدٍ يُوقِظُك، فكم جاءتك المواعظُ من اللهِ، وكم من هذه الآياتِ تُتْلَى عليك - إن لم تكن أنت قد تلوتها مئات المرات - فامضِ في غيِّك، وَامْرَح في لَهْوِك، وَاضرِب في بيداءِ سفهِك ووثنيتِك وفجورِك؛ فويلٌ لك مما يَنتَظِرُك ويدَّخِر القهَّار لك في يومٍ تَشخَصُ فيه الأبصار، مُهطِعين مُقنِعي رؤوسِهم، لا يرتدُّ إليهم طرفُهم، وأفئدتهم هواءٌ، كما كانت الأبصارُ اليوم شاخصةً إلى كلِّ منكر، وكما كانوا مُهطِعين وراءَ كلِّ داعٍ إلى بغي وفساد، ومُقنِعِين رؤوسَهم؛ استكبارًا عن الحقِّ والهُدى وطاعة الله، وقلوبُهم فارغةٌ من كل شعورٍ بمسؤولية، وضمائرُ لا تتألَّم ولا تتوجَّع لِما يَنتَهِكُون من حرُماتٍ، ويعتدون على أعراضٍ، ويَضرِبُون في الأمَّة بمعاولِ الهَدْمِ لكلِّ مقترحاتِ حياتِها؛ فالحيُّ القيُّوم لا تأخذُه سِنَةٌ ولا نومٌ، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا يعملُ الظالمون.
فالويلُ كل الويل لمن لم يُفِق من غفلتِه، ولم يَثُب إلى رشدِه، ويتَدارَكْ أمره، ويُحَاسِب نفسَه، ويَلُمَّ أثوابَ الرياءِ التي يزعمها صلاة وصومًا وحفلاتٍ ومواسمَ.
إنما هي ثيابٌ مُهَلْهَلة شافَّة، بل إنها ثيابٌ معلمة تُنَادِي لابسَها عند الناس، فكيف بالله العليم بما تَكِنُّ الصدور؟