فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 231

انفَصَل من ربِّهم؛ لأن كلَّ الخلقِ كانوا كامنين في ربِّهم كُمُونَ النخلةِ في النواة، فتجلَّى ربُّهم تجليًا انفصلت عنه الحقيقةُ المحمدية، ثم تجلَّت الحقيقةُ المحمدية؛ ففاضت منها هذه المخلوقاتُ.

وهذا هو دينُ كلِّ الصوفيَّة من أولهم إلى آخرهم؛ فقد سُئِل مَن يسمُّونه إمامَهم وشيخَهم - الجُنَيد - عن ربِّه، فقال:"لونُ الماءِ لونُ الإناءِ"؛ يعني: بذلك أن المخلوقَ مجلِّي حقيقةِ ربِّه؛ لأنه سارٍ فيه، وهم من أجل هذا يقولون:"أنا هو، وهو أنا"، والخالق والمخلوق واحدٌ بالذاتِ، متعدِّد بالاعتبار، وما ثَمَّ إلا واحدٌ؛ فصحَّ عندهم لذلك أن يقولَ معروفٌ الكرخي والمرغنِي:"وكلّ مؤلِّه نفسه وداعٍ إلى عبادتِه ما قال ويقول"، ورَاجَ ذلك عند كلِّ مقلِّد غافلٍ؛ فاتَّخذوا من دون اللهِ الأولياءَ والآلهةَ والأندادَ، وقاموا لهم بأنواعِ القرباتِ والعباداتِ، وما ينجو من هذه الوثنية القذرةِ ممن تلا الكتابَ حقَّ تلاوته، وتفكَّر في خلقِ السمواتِ والأرضِ بسمعه وبصره وعقله، مستقلاًّ عن كلِّ أحدٍ، وعَرَف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيرتَه وهديَه ورسالتَه، مستقلاًّ بنفسِه، بعد أن يأخذَ لكلِّ ذلك أسبابَ اليقظةِ، وأهمها: والكفرُ بكلِّ هذه الطواغيتِ، ويَستَعِين باللهِ الأحد الصمد - الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ - على إيقاظِه وتبصيرِه، وتطهيرِ قلبِه مما ملأ به الآباءُ والشيوخُ والبيئة من زرعِ الشيطانِ الخبيثِ القذر، وأن يغرسَ فيه الغرسَ الطيِّب من الهدى والإيمان، وأن يمدَّه دائمًا بغيثِ القرآنِ ونورِه؛ فذلك هو الذي يعلمُ أنه ينبغي ألا يكونَ مألوهٌ تَذِلُّ له القلوبُ، وتَخضَع له الرقاب، ويُقصَد بكلِّ أنواع العبادة والدعاء إلا اللهَ ربَّ العالَمين، الرحمن الرحيم؛ لأنه قد عَرَف ربَّه بما يسدي إليه من متتالي نعمِه وفضلِه فأحبَّه أعظم حبٍّ، وعَرَفه بقهرِه، وقوَّته، وتسخيره، وتدبيره، وآياته؛ فخشِيَه أعظمَ خشيةٍ؛ فعلم أنما هو إله واحد لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يصفون، واستَقَام على مقتضى ذلك، وهؤلاءِ هم أولو الألبابِ والقلوبِ الحيَّة المتيقظة التي تُقبِل دائمًا على اللهِ وآياته فتقدرُها، وتشكرُه حقَّ شكرِه.

والآخرون الذين فَسَدت ألبابُهم بالتقليد، وأَنتَنَت بكثرةِ ما قَذَف فيها الشياطينُ من قذرِ البدعِ والخرافاتِ، وأُلقِي إليها من نجسِ العقائد الوثنية والفسوق، فهم صمٌّ بكمٌ عميٌ لا يعقلون: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 22، 23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت