فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 231

لها ولا تغييرَ؛ ولذلك قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ} [إبراهيم: 5] ، وأدلَّةً واضحاتٍ على عدلِ الله وحكمتِه، {لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5] ؛ أي: لكلِّ مؤمنٍ باللهِ وآياتِه، بسنّتِه وعدله، وحكمته ورحمته؛ فإن الإيمانَ مَبنَاه على الصبرِ والشكرِ؛ لأن العبدَ مُمتحَنٌ بكلِّ ما يُنعِم الله به عليه في نفسِه؛ من السمعِ والبصرِ والفؤادِ، والعافيةِ والقوةِ، والذكورةِ والأنوثةِ، والمالِ والولدِ، وما يسخَّر له في السماءِ والأرضِ، فإذا هو عَقَلَ عن اللهِ حكمتَه ورحمتَه، ونزَّه الله عن اللعبِ والعبثِ في خلقه؛ لأنه العليمُ الحكيمُ - كان ذلك عن صبرٍ وضبطٍ لنفسِه، وقوَّة حزمٍ منه، وصدق إرادة، وكمال إنسانيتِه، ونفاذ بصيرةٍ، وسلامةِ عقلٍ وفطرةٍ، فيدعوه ذلك إلى شكرِ أَنعُمِ الله كلِّها عليه، بعد أن يراها بعينِ التقدير والإكبار، فيَعرِف للهِ فضلَه وإحسانَه، وكلما تمكَّنت فيه ملَكةُ التفكرِ لآياتِ الله الكونية والتدبُّر لآياته العلمية، كلما عَظُمَت في نفسِه نِعمُ اللهِ عليه، في شخصِه وفيما سخِّر له، فازداد صبرًا، ولها شكرًا؛ فكان صبّارًا شكورًا - والصبَّار: العظيمُ الصبرِ، والشكور: العظيمُ الشكرِ - وكلما عَظُم صبرُه، وعَظُم شكرُه؛ قَوِي إيمانُه باللهِ وآياتِه وسننِه، التي تجري على مقتضى العدلِ والحكمة والرحمة، فلا ينسى من آياتِ الله آيةً، ولا من أيامِ الله يومًا، فلا يزالُ في ذكرٍ وصبرٍ وشكرٍ.

وفي سورة الشورى:

{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ * وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [الشورى: 27 - 33] .

وقد ذكر الله الصبرَ في القرآنِ قريبًا من مائةِ مرة.

وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في مدارج السالكين"ج 2 ص 87":

ولهذا كان الصبرُ من الإيمانِ بمنزلةِ الرأسِ من الجسدِ، ولا إيمانَ لمن لا صبرَ له، كما أنه لا جسدَ لمن لا رأسَ له، قال عمرُ بن الخطاب: خيرُ عيشٍ أَدرَكناه بالصبرِ، وأخبر النبي - صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت