وكفرُها: تحقيرُها، ونسيانُها، والاستعانةُ بها على محاربةِ ومحادَّة مُسْدِيها.
وقد كرَّر الله في آياتٍ كثيرةٍ: أن السببَ الذي جعله - سبحانه - لزيادةِ النعمةِ وبقائها؛ هو شكرُ النعمةِ في النفسِ والسمعِ والبصرِ والفؤادِ، وفي المالِ وما سخَّر الله للإنسانِ في السمواِت والأرض وما بينهما.
وشكرُ ذلك لا يكونُ إلا بالتفكُّر في آياتِ اللهِ في النفسِ، وفيما بثَّ اللهُ في السمواتِ والأرضِ من آياتٍ ونِعمٍ، وفقهِها فقهًا يبعثُ على الإيمانِ بأنه العليم الحكيم.
وكفرُ ذلك كلِّه بالتقليدِ الأعمى، الذي يجعل الإنسانَ من شرِّ الدوابِّ الصمِّ البكمِ الذين لا يعقلون.
والمعنى: أن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم، يُذكِّر الناسَ أنه قد قَضَى بحكمته قضاءً لا يُردُّ؛ أنه يَزِيد الشاكرينَ لنعمتِه، ويعذِّب الكافرين بها في كلِّ أمةٍ وزمن.
يذكِّر الله - تعالى - بني إسرائيلَ بما أَسبَغ عليهم في القديمِ من آلائه ونَعْمَائه التي كفروا بها كنودًا وجحودًا، لما استولَى عليهم من شديدِ الغفلةِ وكثيفِ البلادة والغَبَاوة، فعَمُوا وصَمُّوا عن نعمِ الله وآياته، واتَّبعوا أهواءهم، مستسلمين بالتقليدِ الأعمى لأحبارِهم ورُهبَانِهم الذين قَادُوهم في سبيلِ الغَيِّ والبَغْيِ والفسادِ، وتنكَّبوا بهم سبيلَ الحقِّ والهُدَى والرشاد، فكانوا حقيقِينَ بما حكَم الله عليهم من غضبِه ولعنتِه في الدنيا والآخرة؛ إذ يقول:
• {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146] .
• قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ * وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ