فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 231

مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: 60 - 64] .

هذا القرآن الحكيم - أصدقُ الحديثِ - يَعرِض لبني إسرائيلَ أصدقَ صورةٍ في جميعِ أدوار حياتِهم وأطوارها، فيذكرُ أنهم بَلَغوا من الذِّلَّة والمَهَانة والوَهَن والبِلَى أن كان فرعونُ وآلُه يَسُومُونَهم سوءَ العذابِ، ويذبحون أبناءهم، ويَستَحْيُون نساءهم؛ ليشيعَ فيها الزنا وتنتشرَ الفاحشةُ، وتموتَ الرجولةُ والغَيْرةُ؛ فتعيش ما عاشت ذليلةً حقيرةً مَهِينَة شقيَّة، لا يُرجَى لها حياةٌ، ولا تخطر لها العزَّة والكرامة على بالٍ.

ويذكرُ أنهم ما ضُرِبت عليهم هذه الذِّلَّة إلا لأنهم تَرَكوا دينَ اللهِ وشرائعَه، وانغَمَسوا في تقليدِ المصريين في وثنيتِهم وقسوتِهم وكفرِهم.

فلما جاءهم موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ولَقِي من فرعونَ ما لَقِي لم يؤمِن له إلا ذريةٌ منهم على جبنٍ وخوفٍ من فرعونَ ومَلَئه، فلمّا خَرَج بهم من مصر وأدركَهم فرعونُ بجندِه فَزِعوا أشدَّ الفزعِ، وأَلْقَوا بأنفسِهم على الأرضِ يَبكُون لموسى في ذلَّة الجبانِ المُتَهالِك، فلما رَأَى موسى أعينَهم تدورُ كالمَغشِيِّ عليه من الموتِ، سأل ربَّه النجاةَ، فأَمَره أن يضربَ البحرَ بعصاه؛ فَانفَلَق، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم، فما كادوا يَرَون الطريقَ اليابسَ قد انفَتَح أمامَهم، حتى انسَابُوا فيه كالسيلِ هَارِبين، حتى إذا جازوا إلى الشاطئِ الشرقي، نَظَروا وراءهم فرأوا البحرَ قد انطبق على فرعون وجندِه، وقد طَفَت جُثَثهم على الماءِ يُصَارِعون الموتَ، والموتُ يَصْرَعهم ويُذلُّ كبرياءهم العاتية، ويسمعُ بنو إسرائيلَ عويلَهم، وأنينَهم وحشرجتَهم بما يَذُوقُون من العذابِ الأليمِ: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] ، فتقذفُه موجةٌ عاتيةٌ إلى جوفٍ أليمٍ، ولسانُ حالِها يقول له: كَذَبت، فما منعك وأنت في سَعَةِ الحياة وآياتُ اللهِ بيِّنةٌ أن تؤمِن بالذي آمَنت به بنو إسرائيلَ؟ {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 91] .

يرى بنو إسرائيلَ هذا المشهدَ المَهُول، ويُعَاينون فيه جبروتَ اللهِ، وعظيمَ قدرتِه، وشديدَ بطشِه بمن كان بالأمسِ يقولُ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت