فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 231

فما كان أجدرَ ببني إسرائيلَ بعد ذلك أن تقتلعَ جذورُ الوثنيةِ والشركِ من قلوبِهم، وما كان أجدرَهم أن يَعرِفوا الذي فلَق لهم البحرَ، فنجَّاهم وأهلَك عدوَّه وعدوَّهم، ويشهدهم على هَلَكتِه، ولكن أنَّى لبني إسرائيلَ قلوبٌ تَفقَه، أو عيون تُبصِر، أو آذان تَسمَع، لقد كَفَروا بكلِّ ذلك، فما لَبِثوا بعد إذ فارقهم موسى - متعجلًا لميقاتِ ربِّه ومستخلفًا فيهم أخاه هارونَ - أن صَنَعوا عِجْلًا مما حَمَلوه معهم من حُلِيِّ المصريين وعَبَدوه، كما كان المصريون يَعبُدون العجلَ، وأعجبُ العجبِ لغبائهم المتناهي، أن يصدِّقوا السامري، إذ قال لهم: {إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه: 88] ؛ أي: نَسِي أن يأمرَكم بعبادتِه؛ إذ لم يُمكِنه التعجُّل إلى ميقاتِ ربِّه أن يذكرَ ذلك، فيا سبحان الله، لهذه الغباوةِ والبلادة!

فيُبلغُ الله موسى بما صَنَع قومُه، ويُنكِر عليه أن عَجِل عنهم وهو يَعرِف حالَهم هذه، فيعود موسى غضبانَ أسفًا، ويصنع ما قصَّ الله علينا في القرآن الحكيم، ثم يَختَار موسى صفوتَهم سبعين رجلًا، فيحسدون موسى على ما وهبَه الله من نعمةِ الرسالة وكلامه، ويقولون: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] ؛ فتأخذهم صاعقةٌ من الله تتركهم في غاشيةٍ من الموتِ، فيَضرع موسى لربِّه، ويشكو إليه أنه إن عاد إلى بني إسرائيل من غيرِهم عادوا إلى شرٍّ من حالِهم الأولى، وانفلت منه قيادُهم، فيعيدُهم الله، ويَكشِف عنهم الغاشيةَ، فهل يَرتَدِعون بعد هذا؟ كلا.

لقد دعاهم موسى أن يَدخُلوا الأرضَ المقدَّسة التي كَتَب الله لهم، ووعدهم بها؛ فتطير نفوسُهم هلَعًا، وتَزِيغ أبصارُهم، وتبلغ القلوبُ الحناجرَ جزعًا، ويقولون: {يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22] ؛ فيقول رجلانِ من الذين يخافونَ أنعم الله عليهما: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} [المائدة: 23] .

وتأمَّل، إنه لم يكن في هذه الأمّةِ الكثيرةِ العددِ إلا اثنانِ يستحقَّان وصفَ الرجولةِ الذي وصفهما الله به، والباقي ليس أهلًا لهذا الوصفِ، ومن ثَمَّ يُصِرُّون على بلادتِهم وجُبْنِهم وكُفرِهم بوعدِ الله وقوَّة جبروتِه، وأنه القاهرُ فوقَ عبادِه، وإيمانهم العميق بجبروتِ الطغاةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت