فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 231

الكافرينَ، فيقولون: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] .

يقولون: إنه ربُّ موسى وحدَه، وليس بربِّهم؛ لأنهم لا يزالون مؤمنينَ بربوبيةِ فرعونَ وآلِه، فيحكم اللهُ عليهم حُكمَه العادلَ، أنْ تِيهُوا في الأرضِ أربعينَ سنةً، لَقِي فيها موسى من بلادتِهم وإخلادِهم إلى الأرضِ ما قصَّ الله من كفرِهم بنعمةِ المنِّ والسَّلوَى، وتظليلِ الغمامِ، وتفجير الماء من الحجَر اثنتي عشرة عينًا، ثم كان أن بدَّلوا أمرَ الله، حين هيَّأ لهم دخولَ القريةِ التي كَتَب لهم، فأَمَرهم أن يَدخُلوا البابَ سُجَّدًا؛ أي: خَاشِعين معتَرِفين بنعمةِ الله عليهم، وأن يقولوا"حِطَّة"؛ أي: طالبين بالذلِّ والخضوعِ له - سبحانه - أن يَحُطَّ عنهم خطاياهم، ويَغفِر لهم ما كان من جرائمِهم السالفةِ، التي كابد موسى - عليه السلام - منها من الأذى والشدة ما شكاه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ المعراجِ حين لقيه في السماء.

فدخلوا الباب يَزحَفُون على أستَاهِهم، ويقولون: حِنْطَة.

فانظر إلى عُقمِ الفهمِ، وركودِ العقل، بل موته؛ فأنزل الله عليهم رجزًا من السماءِ بما كانوا يفسقون.

ثم ما لَبِثوا بعد أن مكَّن الله لهم في الأرضِ، وورَّثهم مُلْكَ مَن كانوا له عبيدًا بالأمسِ - أن بَغَوا وطَغَوا، وكَفَروا باللهِ وآياتِه، وعبدوا الأوثانَ، وانغَمَسوا في الملذَّات والشهواتِ البهيمية، وبَلَغ من تحجُّر قلوبِهم أن كانوا يقتلون كلَّ مَن يقوم بينهم بالقسطِ، يأمرُهم بالمعروفِ وينهاهم عن المنكر، ويَدعُوهم إلى الرجوعِ إلى الإيمان بالتوراة والعملِ بها، حتى لقد ذبَحوا يومًا سبعين نبيًّا من أنبيائهم كما تُذبَح الشِّيَاه، واحتالوا بإغراءِ بَغِيٍّ أن تتمنَّى على عشيقِها الفاجرِ قتلَ يَحْيَى - عليه السلام - فذَبَحه، وقدَّم لها رأسَه في طبقٍ.

ثم لما جاءت مريمُ البتولُ بابنِها عيسى - وقد جعَلها اللهُ وابنَها آيةً قاطعةً لكلِّ شكٍّ في طهرِها - وقطع ألسنتهم بحَمْلِها السريع الخارقِ للعادةِ، وبكلامِ عيسى في المهد بالحكمة، فلما بَعَث الله عيسى برسالته يدعوهم إلى الإيمانِ باللهِ ورسلِه واليوم الآخر، ويحاولُ تطهيرَ نفوسِهم الخبيثةِ - نَطَقت ألسنتُهم الفاجرةُ بما أَلِفوا من الخَنَا، ورَمَوا مريمَ بما يُوقِنون أنها بريئةٌ منه، ثم لم يَكْفِهم هذا البَغْي، فحَاوَلوا قتلَ عيسى - صلى الله عليه وسلم - فحماه الله من أيديهم النجسةِ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت