وطهَّره من أن تنالَه أيديهم المجرمةُ، ورفعه إليه، فنكل الله بهم شرَّ تنكيلٍ، وضرب عليهم الذلةَ والمسكنةَ، فتفرَّقوا في الأرض، فلم يَردَعهم ذلك، ولم يُعِد إليهم ذرةً من الرشد.
بل امتحن اللهُ أهلَ الأرضِ بهم، فما كانوا في جماعةٍ ولا بلدٍ إلا أَغرَوا بينهم بالشرِّ والفساد، وأَوقَدوا العداوةَ والبغضاءَ والحربَ، وما كانت الحروبُ المُستَعِرَة بين الأَوْس والخَزْرج في المدينةِ إلا بكيدِهم وإغرائهم، حتى بَعَث الله نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - فقَابَلوه بأشدِّ العداوةِ، وهم يَعرِفونه كما يَعرِفون أبناءهم، حتى ليقول حُيَيُّ بن أَخْطَب رأسُ اليهودِ لأخيه - وقد سأله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ فيقول: نعم والله، إنه لهو هو، الذي بشَّر به موسى، وأَخَذ العهدَ به، فيقول له: فما لَه عندك يا حُيَيُّ؟ فيقول: له العداوةُ إلى آخرِ الدهرِ.
نعوذُ باللهِ من حقدِ اليهودِ وحسدِهم، ولولا أن الله - سبحانه - عَصَم رسولَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - منهم لقَتَلوه في محاولاتِهم المتعدِّدة التي أحبطها الله وأخزاهم بها، فلما خَابُوا ولم يَظفَروا به عَقَدوا مع الشيطانِ عهدًا أن يقتلوا دينَه، كما قتلوا دينَ عيسى - عليهما الصلاة والسلام - فكما قلبوا المسيحيةَ من الإيمانِ باللهِ ورسلِه إلى أشنعِ الكفرِ باللهِ وبعيسى حتى زيَّنوا للنصارى أن عيسى ابنُ اللهِ: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
وما زالوا يَكِيدون للمسلمينَ حتى أوقعوا الفتنةَ بينهم، وقَتَلوا الخليفةَ العظيمَ"عمر"؛ فانفتح لهم بقتلِه بابٌ للفتنةِ واسعٌ وَلَجوا منه إلى قتلِ عثمانَ، ثم إلى حربِ علي ومعاويةَ، ثم إلى قتل الحسينِ، واتخاذ مقتلِه طنبورًا يغنون على أوتارِه بنغماتِ الكيد والفتنة، ثم ما زالوا حتى أعادوا الوثنيةَ باسمِ آلِ البيتِ وقبورِهم، بعد أن وَضَعوا لذلك من السمومِ في الصحف والقلوبِ على يد بَنِي عُبَيد - الفاطميين - ما يشكو منه الإسلامُ أشدَّ الشكوى، وما يَبْرَأ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودينُه، وعليٌّ وأولادُه وغيرُهم من المؤمنين في كلِّ زمان.
ثم ها هم اليوم يَرمُون الإسلامَ، بل الإنسانية كلَّها بآخرِ سهمٍ من كيدِهم وبَغْيِهم، بدعواهم الكاذبةِ أن لهم حقًّا في فِلَسطين مهضومًا، وأن لهم منها وطنًا مغصوبًا، فأين كانوا من هذا الحقِّ آلافَ السنين؟