فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 231

يَدعُوهم مرَّة واحدة، بل دعَوهم مرارًا، ودَعَوهم سرًّا وجهرًا، ودَعَوهم مجتمِعين ومنفرِدين، ودَعَوهم بكلِّ ما كان يَنْزِل عليهم جديدًا من رسالةِ ربِّهم، والكافرون كانوا يُعرِضُون عنهم بأنواعِ الإعراضِ، ويَتَفنَّنُون في السخريةِ منهم والاستنكارِ؛ فهو وصفٌ لشدَّة جمودِهم على الباطلِ، وشحِّهم بقلوبِهم أن تَلِين للهدى فتَنتَفِع برسالةِ المرسَلين، وحرصٌ أشد الحرصِ على أوعيةِ هذه القلوبِ أن يُحَلّ وِكَاؤها، وتكشف عنها أكنَّتُها وغلفُها، فتُبذَل للهِ ولدينِه ورسلِه.

كما وصَف الله شدةَ البخلِ بالمالِ والشحِّ به بقولِه: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء: 29] ؛ فإنهم حين أحاطت بهم الحَيْرةُ، ورَكِبتهم الهمومُ، وعمَّتهم الأنكادُ؛ لما يخافون على آلهتِهم التي يستغلوُّنها لأهواءِ أنفسِهم، أنها ستتحطمُ بمعاولِ الحقِّ الذي جاء به المرسَلون، وستضعفُ بها دعوة العلم والهدى، وأن أمر العامَّة وأموالَهم سيَفلِتُ من أيديهم، وتخلص من براثنِهم إلى أيدي المرسَلين الرحماء، فيأخذونهم في أيسرِ طريقٍ وأهداه إلى الله ربهم - لَمَّا كان الأمر كذلك؛ رَكِب أولئك الطواغيتُ من الأبالسةِ ما جعَلهم يجلسون في نواديهم وخلواتِهم، قد خارت عزائمُهم، ووَهَنت قُوَاهم، منكِّسي رؤوسهم، متحاملين على أيديهم، وقد وضَعوها على أفواهِهم؛ ليَحبِسُوا أنفاسَهم، ويجمعوا شتيتَ أفكارِهم، ليمكروا مكرَهم، ويعدُّوا العدَّة لحربِ دعوةِ الحقِّ التي جاءها الرسل لتخليصِ العامَّة من مخالبِهم، فتنهار صروحُ مجدِهم، وتُدَك معاقلُ رياستِهم الكاذبة، وتتلاشى دنياهم الخادعةُ، وإن ذلك سيتمُّ ولا بدَّ إذا أتَمَّ اللهُ نورَه، وأعلى كلمتَه، وانتصر المرسَلون.

وبعد طولِ تفكيرِهم وإدارةِ الرأي مع شياطينِهم، واعتَمَدوا أخيرًا أن يتشجَّعوا ويَخرُجُوا على العامَّة في قحةٍ وجرأةٍ: {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] ، ظنًّا منهم ومخادعة لأنفسهم أن مجرَّد قولِهم لهذا الإفك - وهم الرؤساءُ السادةُ ورجالُ الدينِ ومحتكروه، والقابضونَ على زمامِ العامَّة - سينصرف العامَّة - ولا بدَّ - عن المرسَلين؛ لأن سادتَهم قد كَفَروا بهم، وقبَّحوا دعوتَهم بما رَمَوها من الشكوكِ والريب، التي تلمِّحُ وتغمزُ إلى اتهامِ الأنبياءِ بتُهَم لا يَقدِرُون أن يُفصِحُوا ويبيِّنوا عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت