الكتابُ والرسول - صلى الله عليه وسلم - واتَّبعوا من دونِ ما أنزلَ إليهم ربُّهم أولياءَ، قليلًا ما يتذكَّرون، وسَلَكوا طريقَ البَغْيِ والفساد، وعَادُوا إلى الوثنيةِ، والجاهليةِ، وملَّة الهوى، والعصبيةِ، وتقليدِ الشيوخِ والآباءِ - غيَّر الله ما بهم من القوَّة والعزَّة، ونزَع الأرضَ من أيديهم، وسلَّط عليهم أعداءهم يَظلِمُونهم ويَبغُونَهم الفتنةَ، ويَسُوقوُنَهم في كلِّ طريقٍ معوجَّة، وأخيرًا ها هم يَسُومُونكم ألوانَ العذابِ.
عجَّل الله خلاصَ البلادِ الإسلامية من أيدي أولئك الأعداءِ، وغيَّر اللهُ ما بأنفسِ المسلمين إلى الهُدَى والإيمانِ بالكتابِ والرسول - صلى الله عليه وسلم - واتِّباعهما؛ لتعودَ لهم عزَّة آبائهم الأوَّلين.
• {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] ؛ أي: هذا الوعدُ بالنصرِ والتمكينِ في الأرضِ بعد هلاكِ العدوِّ الظالِمِ الجبَّار المعانِد، لا يتحقَّق إلا للمؤمنِ الذي عَرَف ربَّه، وآمن به؛ فخَافَ مقامَه يومَ الفصلِ، يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينِ، ولمن عَرَف وعيد الله ونُذُرَه فخاف وقوع ما يتوعد به أعداءه، موقنًا بأن أعداءَ اللهِ هم الذين يتَّخذون آياتِه هزوًا ولعبًا، ويتخذون القرآنَ وشرائعَه وعقائدَه، وآدابَه وأخلاقَه ونُظُمَه وراءهم ظِهْريًّا، وأنه لا يُغنِيهم من هذه العداوةِ أسماءٌ ولا نسبٌ ولا أمانيُّ كاذبة، ولا يُنقِذهم من الظلمِ وعداوةِ الله إلا الرجوعُ إلى كتابِه، يَتلُونه حقَّ تلاوتِه، ويتدبَّرونه حقَّ تدبرِه؛ ليَعرِفوا منه ربَّهم ودينَهم، ويَعرِفوا رسولَهم وهَدْيَه وسنتَه من مصادرِها الخاصَّة بها؛ ليكونَ لهم من ذلك الكتابِ وهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الهُدَى والرحمة، وبغيرِ ذلك لن يكونوا أبدًا ممن خاف مقامَ الله ووعيدَه، مهما أقسموا جهدَ أيمانِهم أنهم مسلمونَ، أبناءُ مسلمين، وأن بلادَهم وحكوماتِهم إسلاميةٌ؛ فكلُّ ذلك خداعٌ كاذبٌ، وظنٌّ لن يُغنِي من الحقِّ شيئًا.
وما دام الذين كَفَروا قد أَعلَنوا على الرسلِ الحربَ، وهدَّدوهم بالإخراجِ من ديارِهم، وقد وَعَد اللهُ رسلَه بالنصرِ؛ فليَطلُب كلٌّ منهم النصرَ والفتحَ على عدوِّه.
• {وَاسْتَفْتَحُوا} : طَلَبُوا الفتحَ، وهو النصرُ والظفَرُ، فصَّلَ الأمر فيها، وأزال الإغلاقَ عنها؛ فاتَّضح حقُّها من باطلِها، والمُحِقُّ فيها من المُبطِل.