ويَضَعوا العقباتِ الصعبةَ من هذه الحربِ في سبيلِ إيمانِهم به، فإن أقلَّ القليلِ هو الذي يَصبِر على الأذى في سبيلِ اللهِ.
• {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13] .
فعندئذٍ تداركَ اللهُ رسلَه والذين آمنوا معهم بأصدقِ الوعدِ أنه ناصرٌ رسلَه ومؤيِّدُهم، ومُهلِكٌ أولئك الظالمينَ، [ومُخَيِّبُهم] في الدنيا والآخرة أعظمَ الخيبة، وقد روى البخاري عن خبَّاب بن الأَرَتِّ - رضي الله عنه - قال:"شَكَونا إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسِّد بردةً له في ظلِّ الكعبةِ، وقد لَقِينا من المشركين شدَّة، فقلنا: ألا تَستَنصِر لنا، ألا تَدعُو لنا؟ فقعد - وهو محمَّر الوجه - فقال: (( قد كان من قبلكم يؤخَذ الرجلُ فيُحفَر له في الأرضِ، فيُجَعل فيها، فيُجَاءُ بالمِنشَار فيُوضَع على رأسِه، فيُجعَل نصفينِ، ويُمْشَط بأمشاطِ الحديدِ ما دون لحمِه وعظمِه، فما يصدُّه ذلك عن دينِه، واللهِ ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرَموتَ ما يخافُ إلا اللهَ - عز وجل - والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تَستَعجِلون ) ) [1] ."
وقال - تعالى: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 102، 103] .
وقد صدق اللهُ وعدَه، ونصَرَ المرسَلين، وأهلَك الظالمين، وهو كذلك - سبحانه - يصنع مع حزبِه المُفلِحين، من ورثةِ سيِّد المرسَلين، وحزب عدوِّه الشيطانِ الرجيم، من ورثةِ الجبَّارين الظالمين، لا تبديلَ لكلماتِ الله.
• {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم: 14] ؛ فإن الأرضَ للهِ يورثُها مَن يشاء من عبادِه الصالحين، وقد وَرِث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون مكَّةَ وغيرَها من المدن والقُرَى التي كان الجبَّارون يَسعَون فيها بالشركِ والوثنيةِ والفسادِ، ولَمَّا أَوْرَثَهم اللهُ هذه الأرضَ، ومكَّن لهم فيها؛ نَصَروه ونَصَروا دينَه الحقَّ الذي أَنزَل به كتابَه، وبَعَث به رسولَه، فلمَّا غيَّر المسلمون ما بأنفسِهم من الإيمانِ والعقيدةِ والأخلاقِ والأعمالِ التي جاءهم بها
(1) أخرجه البخاري برقم (3639 - 3416 - 6544) .