عليهم، ويترك هذا الأمرَ، فيقولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصدق يقين: (( واللهِ لو وضَعوا الشمس في يمينِي، والقمرَ في شمالِي، لن أتركَ تبليغَ رسالةِ ربِّي ) ) [1] .
هم يُوقِنون أن هذه المُفتَرَياتِ لن تُفلِح مع هذه النفوسِ التي زكَّاها ربُّها وطهَّرها، وأفاض عليها من رحمتِه وقوَّته، والإيمانِ به، ومن العلمِ والهُدَى ما تَصغُر الدنيا كلُّها بجانبِه، فلا تكونُ شيئًا مذكورًا: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الأنعام: 14 - 16] .
{قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] .
{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] .
فهم يَسمَعونَ ما يُوحِي الله إليه من هذا التثبيتِ، الذي لن يكون أقوى منه، وهم يَرَون هذه العروضَ المُغرِيةَ قد زادت الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - ثباتًا وقوَّة؛ وزادته في نفوسِ العامَّة تمكنًا وإعظامًا لشأنِه، فعَمَدوا إلى التهديدِ والوعيدِ، وإعلان الحربِ عليه وعلى الذين آمنوا معه، فإن لم يُفلِحوا في ردِّه عن هذه الرسالةِ وتبليغِها، فلا أقلَّ من أن يرهبوا الناسَ،
(1) ضعيف: السلسلة الضعيفة (913) ، ونصُّه: (( يا عم، واللهِ لو وضعوا الشمسَ في يمينِي والقمرَ في يسارِي، على أن أترك هذا الأمرَ حتى يُظهرَه اللهُ أو أهلِكَ دونه ما تركتُه ) )، وأما الحديث الذي يروى عن عَقِيل بن أبي طالب، قال:"جاءت قريشٌ إلى أبي طالبٍ، فقالوا: أرأيتَ أحمدَ؟ يؤذِينا في نادِينا وفي مسجدنا؛ فَانْهَه عن أذانا، فقال: يا عَقِيل، ائتنِي بمحمدٍ، فذهبتُ فأتيتُه به، فقال: يا ابن أخي، إن بنِي عمِّك زَعَموا أنك تؤذِيهم في ناديهم وفي مسجدِهم، فَانْتَهِ عن ذلك، فلحظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصرِه،"وفي رواية: فحلَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصره"إلى السماءِ، فقال: (( ما أنا بأقدرَ على أن أدعَ لكم ذلك، على أن تشعلوا لي منها شعلةً ) )؛ يعني: الشمسَ، قال: فقال أبوطالبٍ: ما كَذَب ابن أخِي، فارجعوا"، فهو حديث حسنٌ، ورد في السلسلة الصحيحة (92) .