الناسِ خُلقًا وعقيدةً وقولًا وعملًا، ولكن مَن يَفتري الكذبَ على اللهِ، ويقولُ عليه وفي عبادته ودينه - سبحانه - بالبغيِ والجهلِ والتقليدِ الأعمى والهَوَى الفاجرِ - ليس عنده من الحياءِ ما يَمنَعُه أن يُخَاطِب المرسَلين بمثلِ هذا البهتانِ المُبِين.
و"الملة": من أَمْلَل الكتابَ، قال - تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} [البقرة: 282] .
وهي في الأصل اسمٌ للشريعةِ التي أملاها اللهُ وأوحاها إلى عبادِه على لسانِ رسلِه؛ ليَصِلُوا بها إلى ما يُحِبُّ لهم من سعادةِ الدنيا والآخرةِ.
والفرق بين"الملة"و"الدين": أن الدينَ يضافُ إلى اللهِ، والملة لا تضافُ إلى اللهِ، فيقالُ: دينُ اللهِ، وملَّة إبراهيمَ، ولا يقالُ: ملَّة اللهِ.
ولقد كان أصلُ ملَّة الذين كَفَروا موحًى به من شرائعِ اللهِ، ولكنها فَسَدت على مدَى الزمنِ؛ بما أُضِيف إليها من التقاليدِ، وما شَرَع الأحبارُ والرُّهْبَان، والشيوخُ والرؤساء، من شياطينِ الإنسِ بما يتلقَّون من وحيِ شياطينِ الجنِّ، ومن ثَمَّ الذين كَفَروا من أهل الكتابِ والمشركينِ، لا ينفكُّون يَزعُمُون - زورًا وبهتانًا - أنهم على ملَّة إبراهيمَ وبَنِيه من الأنبياءِ، وأنهم على شيءٍ من الحقِّ والهُدَى، وأنهم ليسوا بحاجةٍ إلى ما أَتَى به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ومَن قبله من إخوانه المرسَلين.
وقد ردَّ الله عليهم زعمَهم الباطلَ في كثيرٍ من آيِ القرآن، فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 67، 68] .
والذين كَفَروا يُوقِنُون أشدَّ اليقينِ أن الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - محالٌ أن يتركَ تبليغَ رسالةِ ربِّهِ، ومحالٌ أشد أن يُوافِقَهم ويَرْضَى بشركِهم ووثنيَّتِهم مهما عَرَضوا من مُغْرِيات المال أو الرياسةِ التي فَتَنتهم ومَلَكت عليهم كلَّ حواسِّهم، كما عَرَضت قريشٌ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَجمَعوا له من المالِ ما يكونُ به أغنَى قريشٍ، أو يَجعَلُوه ملِكًا