الحمدُ للهِ وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده، وعلى آلِه وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن مقصودَ هذه السورةِ التوحيدُ، وبيانُ أن هذا الكتابَ هو الغايةُ في البيانِ الذي اختاره اللهُ لعباده، وأن هذا الكتابَ غايةُ البلاغِ إلى الله؛ لأنه كافلٌ ببيانِ الصراطِ الدالِّ عليه، المؤدِّي إليه، ناقلٌ - بما فيه من الأسرارِ - الخَلقَ من طورٍ إلى طور، وأدلُّ ما فيها على هذا المرامِ قصةُ إبراهيم - عليه الصلاة السلام.
أما التوحيدُ فواضحٌ، وأما أمرُ الكتابِ؛ فلأنه من جملةِ دعائه لذريتِه، الذين أسكنهم عند البيتِ المحرَّم من ذرية إسماعيل - عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129] .
وَصَفتِ السورةُ الكتابَ بأنه: حكيمٌ، محكَمٌ، مفصَّلٌ، مبينٌ، وأنه الحقُّ الثابتُ الذي تزولُ الجبال الرواسي، وهو ثابتٌ لا يتعتع شيء منه، ولا يزلزل معنًى من معانيه.
كما تكرَّر هذا الوصف في: سورة البقرةِ، وسورة يونسَ، ويوسفَ، والرعدِ، وقد ذُكر كذلك الكتابُ في أولِ هذه السورةِ منكَّرًا تنكيرًا، فقال: {كِتَابٌ} ؛ أي: عظيمٌ في درجاتٍ من العظمةِ، لا تَحتَمِل عقولُكم الإخبارَ عنها بغيرِ هذا الوصفِ؛ لذلك جَمَع الأوصافَ الموجِبةَ للفلاحِ المذكور أولَ السورةِ المستدلِّ عليها بكلِّ برهانٍ منيرٍ، وسلطانٍ مبينٍ.
فهذا الكتابُ ما أنزله اللهُ إلا هدايةً للناسِ، وما أنزله اللهُ إلا لإخراجِ الناسِ من الظلماتِ إلى النور، ولكن بإذنِ ربِّهم.
وتُختم السورة بهذا المعنى، وبالحقيقة الكبرى التي تضمَّنتها رسالةُ التوحيدِ: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52] .
وفى ثنايا السورةِ يذكر ربُّنا أن موسى - عليه السلام - أُرسِل بمثلِ ما أُرسِل به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وبنفسِ المضمونِ، حتى في ألفاظ التعبير: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 5] .
نعم ما أُرسِل رسولٌ ولا نبِيٌّ إلا ليخرجَ الناسَ من الظلماتِ - التي هي أنواعٌ كثيرةٌ من الضلالاتِ التي أدَّت إليها الجهالاتُ - إلى النورِ الذي هو واحدٌ، وهو سبيلُ اللهِ المدعوُّ بالهدايةِ إليه في الفاتحةِ؛ أي: لتبيِّن للعربِ قومِك - لأنه بلسانِهم - بيانًا شافيًا، فتجعلهم بما تقيمُ عليهم