وهذا أيضًا في القرآنِ كثيرٌ لمن يتدبَّر ويَعقِل آياتِ اللهِ ويَفقَهُها، ويؤمِن بأنها تصفُ أنواعًا من الناسِ في كلِّ وقتٍ وزمان ومكان، ليست خاصَّة بطائفةٍ قد مضت في الغابرين؛ ولذلك يقول اللهُ في هذه السورة، واصفًا حالَ أولئك الكافرين بآياتِ الله ونعمِه وأعمالَهم، ومخيبًا لآمالِهم، وأنها سلكت بهم أبعدَ السبل وأضلَّها عما يتوهَّمون من رحمة الله ومعرفتِه ورضوانِه، وعن هداية العلم والإيمان، والتقوى والصلاح الذي بعَث به رسلَه، وأنزل به كتبَه، فقال: {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3] ، والضالُّون النَّاؤون عن مقصدِهم، الآخذون سبيلًا بعيدًا عن غايتِهم، الضاربون من أوهامِهم في صحراءَ دَوِّيَّة، حَيَارى في حياتهم أشدَّ الحيرة، متخبِّطون في كل شؤونهم، أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يَمِيلون مع كل ريحٍ لم يستضيئوا بنورِ العلم، ولم يلجؤوا فيه إلى ركنٍ وثيقٍ، يستفتون في وقائعِهم كلَّ مَن لَقِيهم متسمًا بما يوهِم أنه من أهل العلم والدين، فلا تزيدهم فتواه إلا حيرةً وتخبطًا؛ لأن السائل والمسؤولَ كلاهما يضربُ في بيداءِ الجهالةِ والتقليد، غير أن المفتي قد احترف لدنياه اسمَ العلمِ، وحاول زيادةَ السَّبكِ باتخاذ هذا الزي الذي قضى شطرًا طويلًا من حياته في إتقانِه للظهور به، كما يُتْقن الممثِّل ارتداءَ ثوبِه إذا أراد الظهور بغير حقيقتِه.
وما أحرى هؤلاء وأولئك بقولِ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:"إن ههنا - وأشار إلى صدره - علمًا، لو أصبتُ له حَمَلةً"، ثم قال:"اللهم بلى أصبتُه لَقِنًا [1] غير مأمونٍ، يستعملُ آلةَ الدينِ للدنيا، ويستظهرُ بحججِ الله على كتابِه، وبنعمِه على كتابه، أو منقادًا لأهل الحقِّ لا بصيرةَ له في إحيائه، يقتدحُ الشكُّ في قلبه بأولِ عارضٍ من شبهة، اللهم لا ذا ولا ذاك، أو منهومًا باللذَّات، سَلِس القيادِ للشهواتِ، أو مُغرًى بجمع الأموال والادخار، ليسا من دعاةِ الدين، أقربُ شبهًا بهما الأنعامُ السائمةُ، كذلك يموت العلم بموت حامليه"، ثم قال:"اللهم بلى لا تخلو الأرضُ من قائمٍ للهِ بحجةٍ، إما ظاهر مشهور، وإما خائف مغمور؛ لئلا تبطلَ حجج الله وبيِّناته، وكم وأين أولئك؟ أولئك هم الأقلُّون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، بهم يدفعُ الله عن حججِه؛ حتى يؤدُّوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجَم بهم العلمُ على"
(1) لقِنًا: أي فهمًا غير ثقة، النهاية 4/ 266، ب.