وقولَه: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء: 133] .
وكيف يكونُ ذلك عزيزًا ممتنعًا أو صعبًا عسيرًا، وهو الذي بدأ خلقَك من العدم، وكل يوم - بل كل ساعة - يُقِيم من آيات قهره وقدرته وعزَّته وقوَّته ما به يتذكَّر مَن يتذكَّر، ويتنبَّه من غفلتِه مَن يَعقِل عن الله آياتِه، ويَعرِف ربَّه وقوته وقهرَه؟
أَفِيقُوا أيها الغافلون قبل: {أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام: 65] .
واعتبروا بما عاقبكم به مِنْ لَبْسِكم شِيَعًا، يذوقُ بعضُكم بأسَ بعضٍ، وقد صرَّف لكم بذلك الآياتِ لعلَّكم تتفكَّرون.
وتُوبُوا إلى بارئكم أيها الناس لعلكم تعودون إلى الإيمان به وبكتابه ورسوله، فتكونوا من المُفلِحين.
هدانا الله بهداه، ووفَّقنا وإيَّاكم لما يحبُّه ويرضاه.
وصلَّى الله على محمدٍ مصطفاه وعلى آلِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا [1] .
• قوله - تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] .
معنى"برز"في اللغة: ظَهَر بعد خفاءٍ، ومنه قيل للمكان الواسع الظاهر المستوي الذي ليس فيه شيءٌ يستر أحدًا: بَراز، بفتح البَاء، وامرأة"برزة"، وهي التي تظهر للرجال في وضعِ ريبةٍ، لِما عندها من قوَّة العفاف ومتانة الخُلقِ، والاعتداد بالنفس؛ فقوله - تعالى ذكره: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} ؛ أي: قام الجميعُ لربِّهم صفًّا، كل واحد منهم بارزٌ ظاهرٌ مستقلٌّ عن غيرِه، مسؤولٌ عن نفسِه، فلا يجدُ في الأرضِ ربوةً، ولا وهادًا، ولا شجرًا، ولا جبلًا، ولا جدارًا يخفيه ويسترُه؛ لأنها مُدَّت مدَّ الأديمِ، فصارت قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عِوَجًا ولا أمْتًا، ولا يجدُ من
(1) مجلة الهدي النبوي: رجب (1365) العدد السابع.